حجي محمود
في رحلتي النضالية، كان للقاء بالرفيق علي حيدر قيتان، المعروف باسم فؤاد، أثر بالغ لا يُمحى. فؤاد لم يكن مجرد رفيق أو قائد حزبي فحسب، بل كان تجسيدًا للثبات والصبر في وجه العواصف. أحد المؤسسين الأوائل لحزب العمال الكردستاني، عاش فصول النضال من بدايتها، من السجن إلى الجبهات، ومن التوعية بين أبناء الشعب إلى المواجهة المباشرة مع الفاشية التركية.
حين تعرفت عليه ضمن إطار لقاءاتنا مع القائد عبد الله أوجلان، لم يكن فقط يحمل سنوات من التجارب والآلام، بل كان يحمل سكينة نادرة، وهيبة هادئة، لم تنبع من القوة الظاهرة بل من عمق التجربة واتساع الأفق. تعلّمت منه أن الصبر ليس مجرد احتمال، بل فعل مستمر يقود إلى الإنجاز، وأن الغضب حين يصدر من عقل نيّر يمكن أن يكون منبعًا للتنوير لا للانفعال.
ما أدهشني فيه أكثر، أنه رغم نضاله الطويل، كان يتعامل مع كل موضوع بروح البدايات. لا يتكبر على المعرفة، بل يفتح الباب للنقاش كأن كل شيء يُكتشف لأول مرة. تلك الروح، التي لا تتعب من إعادة السؤال، والتي ترى في كل لحظة فرصة للبدء من جديد، هي ما جعلت من فؤاد ليس فقط مناضلًا، بل مُلهِمًا بكل ما تعنيه الكلمة.
روح الرفاقية عنده كانت عالية، لم تَفتر رغم مرارات السجون وقساوة الجبهات. كان يتقرب من الجميع بتواضع، ويدفع كل من حوله نحو الأفضل، لا بالأوامر، بل بالمثال الصادق والحكمة العميقة.
لقد فقدنا فيه ليس فقط مناضلًا من طراز نادر، بل مدرسة حيّة في الصبر والوعي والالتزام. وأشعر أن من واجبي أن أدوّن شهادتي هذه، وفاءً له، وكي تبقى روحه حاضرة بيننا، كما كانت دائمًا: صامدة، متجددة، ومضيئة كالشعلة.
أما الرفيق رضا آلتون… فقد كان بحق النار الهادئة التي لا تنطفئ، ومن بين تلك الشخصيات التي عشت معها وتعلّمت منها، كان رضا آلتون. الذي وُلد من رحم المعاناة، من قرية أُحرقت عن بكرة أبيها، ونُفي بعيداً عن مسقط رأسه نتيجة وحشية الدولة التركية. ومع ذلك، لم يكن في داخله سوى وهج الإصرار وشعلة الحرية.
كان من أوائل من وضعوا اللبنات الأولى لحزب العمال الكردستاني، من الذين لم يبحثوا عن وطن فحسب، بل عن معنى أوسع للحرية والكرامة، عن حقيقة الإنسان. خاض النضال بعشق لا ينطفئ، وكان يرى أن القضية تتجاوز حدود الجغرافيا، وتتصل بروح الإنسان أينما وُجد.
تعرفت عليه عند القائد عبد الله أوجلان، وهناك بدأت أرى فيه ما لا يمكن أن يُختزل في كلمات. لم يكن من أولئك الذين يعتكفون خلف تاريخهم، بل من الذين يبدؤون كل لحظة من جديد، بالشغف نفسه، بالإرادة نفسها، وكأن الطريق ما زال في بدايته.
ما تعلّمته منه أن الإنسان لا يجب أن يقيّد نفسه باختصاص واحد، فالنضال ليس وظيفة، بل روح شاملة. كان يعمل في كل مجال، لا يتردد في المبادرة، ويملأ الفراغ حيث وُجد، دون أن ينتظر توجيهاً أو مديحاً. عرفته حاضراً بين رفاقه، دائم الحركة، يزرع الأمل، ويوقظ الفكر. لم يكن قائداً فقط، بل كان مربياً، ومعلماً، وروحاً تتنقل بين القلوب بعفوية واحتواء.
علّمني أن الوقت الذي يمضي دون نضال هو وقتٍ قاتل، وأن كل لحظة لا نستثمرها في التغيير، تعني خطوة إلى الوراء. لم يكن يقف عند حدٍّ، بل كان يبحث عن الجديد في كل فكرة، ويمنح الطاقة لمن حوله دون أن يظهر عليه التعب.
في شخصه، اجتمعت صرامة الهدف مع دفء العلاقات، وهدوء الحكمة مع قوة الموقف. لم يكن من السهل أن يُنسى، لأن حضوره كان أعمق من اللحظة، ولأن أثره لم يكن في الكلمات، بل في الأسلوب، في السلوك، وفي العمق الذي يتركه فيك دون أن تشعر.
الشهيد رضا آلتون كان أحد أولئك الذين جعلوني أعيد النظر في مفاهيم كثيرة: عن معنى القيادة، عن جدوى التنظيم، عن قدرة الإنسان على تجاوز ذاته، وتوسيع أفقه، ومواجهة ضعفه بالعمل والإيمان.




