محمد عيسى
في التاسع من أيار 2025، وبين جدران قصر إماراتي في العاصمة أبو ظبي، دارت همساتٌ لا تُسمع على الملأ، لكنها كفيلة بتغيير معالم الخريطة السوريّة لعقود قادمة. ثلاث جولات من المحادثات “الاستكشافيّة” جرت هناك بين وفد يمثل إسرائيل وآخر يرفع تقاريره إلى رئيس المرحلة “الانتقاليّة” أحمد الشرع. لم تكن لقاءات معلنة ولا مؤطرة ببروتوكولات دبلوماسيّة، بل كانت محاطة برعاية خاصة من الشيخ عبد الله بن زايد والشيخ طحنون بن زايد، تعكس عمق المصالح الإقليمية التي تتقاطع عند عقدة دمشق.
الخبر لم يأتِ من فراغ، بل نشرته صحيفة “يديعوت أحرنوت” الإسرائيليّة، التي كشفت عن تفاصيل دقيقة تخصُّ الاجتماع، ما يؤكّد أنَّ الرواية لم تكن تسريّباً إعلاميّاً فقط، بل مقصودة من دوائر القرار الإسرائيليّة التي أرادت إيصال الرسالة إلى الداخل والخارج معاً. والاجتماع، الذي وصفته الصحيفة بـ”الاستكشافيّ وغير الملزم”، شهد مشاركة اثنين من الأكاديميين الإسرائيليين ذوي الخلفيّة الأمنيّة، في مقابل ثلاثة سوريين مقرّبين من الشرع شخصيّاً، واللافت أنَّ الشرع بات يعتمد دوائر غير رسميّة لتمرير الرسائل وبناء التفاهمات بعيداً عن الأطر التقليديّة التي طبعت علاقات دمشق طيلة عقود.
نقاشات تتجاوز الخطوط الحمراء
ما تمّ تسريّبه من كواليس هذه الاجتماعات يكشفُ عن مواقفَ تتجاوز مجرد تفاهمات آنية أو رسائل دبلوماسيّة عابرة. فالوفد السوريّ عبّر، بحسب ما نُقل، بنبرةٍ توحي بمرارةٍ واضحةٍ عن “الاحتلال الإسرائيليّ لتسع تلال داخل الأراضي السوريّة”، معتبراً هذا الملف أولوية وطنيّة. إلا أنَّ النقطة الأبرز التي طُرحت من جانبهم كانت المطالبة بـ”منح رئيس سلطة دمشق أحمد الشرع الفرصة اللازمة لتأسيس نظام داخليّ جديد”، وهو ما فسّره الحاضرون، ولا سيما الجانب الإسرائيليّ، على أنّه دعوةٌ غير مباشرة إلى التزام إسرائيل بـ”هدنة ميدانيّة مؤقتة” أو على الأقل تحييد الجبهة الجنوبيّة مؤقتاً، بهدف تمكين الرئيس الجديد من ترسيخ سلطته السياسيّة والإداريّة في دمشق وسائر المحافظات دون اضطرابات عسكريّة.
في المقابل، لم يتعامل الوفد الإسرائيليّ مع هذا الطرح بخفةٍ، بل حرص على تأكيد مجموعة من “الخطوط الحمراء” التي لا تقبل التفاوض. وكان على رأسها، وبوضوح شديد، مسألة “أمن الشعب الدرزيّ” في الداخل السوريّ، وتحديداً في المناطق القريبة من الحدود مع الجولان المحتل. وقد فُهم هذا الإصرار الإسرائيليّ على أنّه رسالةٌ بأنَّ أمن حدود الجولان، بما يشمله من استقرار التجمعات الدرزيّة، هو الملف الأول في أجندة تل أبيب، بصرف النظر عن هوية أو توجه النظام الحاكم في دمشق بعد الأسد.
التوقيتُ ليس عابراً. فبعد لقاءين في أبو ظبي، تقوم إسرائيل بعمليّةٍ نوعيّةٍ داخل العمق السوريّ دون أن تصدر دمشق أيَّ بيان تنديديّ، ولا حتى توضيح لما جرى. والصمتُ هنا أبلغ من الكلمات، ويعكس نية متعمدة بعدم التصعيد، وربما موافقة ضمنية – أو على الأقل “غضّ طرف” – من الشرع الذي يبدو أنّه بات يعدُّ إسرائيل “حليفاً محتملاً” لا عدواً مزمناً.
وفي اليوم ذاته، 11 أيار الجاري، كان وزير الخارجية الإسرائيليّ جدعون ساعر يعقد مؤتمراً صحفيّاً في القدس، يُسأل فيه عن إمكانيّة قيام تحالفات مع سلطة دمشق الجديدة، في ظل تسريّباتٍ عن محادثاتٍ غير مباشرة بين الطرفين. ساعر، الذي لطالما وصف قادة دمشق بـ”الإرهابيين”، أعلن بكلِّ وضوح أنّ إسرائيل “منفتحة على علاقاتٍ جيدةٍ مع السلطة الجديدة في سوريا”.
هذا التحول في الموقف الإسرائيليّ لا يمكنُ فهمُه إلا ضمن سياق تصاعد الإشارات الإيجابيّة القادمة من دمشق، والتقارير التي تحدثت عن وساطات عربيّة لعبت دوراً في تخفيف التوتر. ولم يخفِ الشرع، الذي زار باريس قبل أيام، خلال لقاءاته أنّه يسعى لتطبيعٍ واسعٍ مع الغرب وإسرائيل، وبأنّ سوريا لن تُستخدم بعد اليوم كمنصةٍ لتهديدِ أمنِ إسرائيل.
عملية نوعية في دمشق
وبعد يومين فقط من لقاء أبو ظبي، وتحديداً في 11 أيار، فجّرت إسرائيل قنبلة إعلاميّة أخرى حين أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن تنفيذ “عملية خاصة ناجحة” داخل الأراضي السوريّة، أسفرت عن استعادةِ رفات الجندي الإسرائيليّ تسفيكا فيلدمان، الذي قُتل في معركة في السلطان يعقوب بالبقاع اللبنانيّ في حزيران 1982.
وبحسب البيان الرسميّ، فإنَّ العملية نُفذت عبر تنسيقٍ مشترك بين الجيش الإسرائيليّ وجهاز الموساد، وتم خلالها العثور على الرفاتِ داخل سوريا، من دون تقديم تفاصيل دقيقة عن مكان أو طبيعة العملية. وإذاعة الجيش الإسرائيليّ سارعت للتأكيدِ أنّ دمشق “لم تكن طرفاً في العملية بأيّ شكل”، وهو ما يزيدُ من غموضِ العلاقة الناشئة بين إسرائيل وسلطة دمشق الانتقالية. والحقيقة أنّ هذا النفي يبقى إعلاميّاً، فالجندي القتيل هو أحد ثلاثة جنود إسرائيليين سحبت جثثهم الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين وتم دفنهم في سراً في مخيم اليرموك، بعلم شخصيات محددة بينهم أحمد جبريل مؤسس الجبهة وطلال ناجي الأمين العام للجبهة من بعد جبريل، وعمر الشهابيّ من قياديي الجبهة، وذلك بحسب كتاب رسميّ موقع من اللواء علي دوبا رئيس شعبة المخابرات العامة عُثر عليه في أرشيف المخابرات العامة بعد سقوط النظام.
طلال ناجي هو الوحيد الباقي على قيد الحياة ويبلغ من العمر 80 سنة، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة اليوم، وقد تعرض للاعتقال والتحقيق في 3/5/2025 أي قبيل تنفيذ عملية نقل رفات الجندي مباشرة، وبذلك تُفهم الخطوط العامة لطبيعة تلك العملية النوعيّة ووصفت أنها نُفذت في داخل العُمق السوريّ.
اعتقال طلال ناجي جاء بعد يوم واحد من قصف جويّ إسرائيليّ لموقع في محيط قصر الشعب في مدينة دمشق، ولم تحدد طبيعة الهدف الذي تم استهدافه.
تزامن خبر العثور على رفات الجندي الإسرائيليّ مع نشر الإعلام القطريّ خبر العثور على رفات ثلاثة أشخاص من قبل فريق بحث قطريّ برفقة فريق أمريكيّ والأمن العام السوريّ في ريف حلب، ويُعتقد أنّ بينها رفات الصحفيّ الأمريكيّ أوستن تايس.
برج ترامب في دمشق… وصفقة ثروات كبرى
وكأنّ يوم 11 أيار لم يكن مجردَ تاريخٍ عابر في روزنامة الأحداث السوريّة، بل محطة مفصليّة في المسار الجديد الذي يحاول رئيس سلطة دمشق أحمد الشرع رسمه بخطاً متسارعة، ليضمن من خلاله تثبيت أقدامه في السلطة مهما كلف الأمر من تنازلاتٍ وتحوّلات جذريّة في السياسات التقليديّة لسوريا. ففي ذلك اليوم، كشفت وكالة “رويترز” عن خطةٍ وصفَتها بـ”الاستراتيجيّة” يتبناها الشرع شخصيّاً، بهدف التقارب مع الولايات المتحدة، في خطوةٍ تعكسُ ما يمكن وصفه بالانقلاب الكاملِ على العقيدة السياسيّة للنظام السابق.
وبحسب التقرير، فإنَّ الخطةَ لا تقف عند حدود التصريحات الدبلوماسيّة أو نوايا التهدئة، بل تدخل حيّز التنفيذ العمليّ من خلال عرض مشاريع ضخمة، على رأسها بناء برج يحمل اسم “ترامب” في قلب العاصمة دمشق، في محاولةٍ مكشوفةٍ لاستمالة الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب واستغلال رمزيته التجاريّة والسياسيّة. ولكن الأهم من المشروع العقاريّ، هو ما تضمّنته الخطة من بنودٍ تتعلقُ بمنحِ واشنطن حقَّ الوصولِ الكاملِ إلى ثروات سوريا من النفط والغاز، وتقديم ضمانات قاطعةٍ بتهدئةٍ التوتراتِ مع إسرائيل، بما يشمل وقف أيّ نشاط معادٍ أو تحركاتٍ قد تُفسَّر كتهديدٍ لأمنها.
الشرع، الذي يدرك تماماً حجم الممانعة الدوليّة لبقائه في الحكم، يسعى من خلال هذه المقاربة الاقتصاديّة والسياسيّة الجديدة إلى تقديم نفسه كشريك موثوق في المنطقة، لا يشكّل تهديداً لمصالح الغرب، بل على العكس، يفتح لهم أبواب الاستثمار والتأثير الإقليمي مقابل دعم صريح أو ضمني لاستمراره على رأس السلطة في دمشق.
وتشير المصادر التي نقلت عنها “رويترز” إلى أنّ الشرع يطمح لعقدِ لقاءٍ مباشرٍ مع ترامب خلال جولته المرتقبة إلى الشرق الأوسط، وهو لقاءٌ لم يُحدَّد بعد بشكلٍ رسميّ، إلا أنّ احتمالات انعقاده، وخصوصاً في السعودية، ما زالت قائمة ضمن سيناريوهات مطروحةٍ، خصوصاً في ظلِ الأنباءِ عن “اجتماعٍ رفيع المستوى” بشأن الملف السوريّ من المتوقعِ أن يُعقدَ خلال تلك الجولة.
ولعلّ من أبرز مؤشراتِ جدّيةِ هذه الخطة، ما تم الكشف عنه من زيارةٍ سريّة أجراها رجل الأعمال الأمريكيّ المعروف “جوناثان باس” إلى العاصمة السوريّة بصفته “وسيطاً غير رسميّ” بين دمشق وواشنطن، وهو تطورٌ يحملُ دلالاتٍ عميقةً على أنّ التحولاتِ في الموقف السوريّ ليست مجردَ تكتيكٍ إعلاميّ، بل جزءٌ من استراتيجية متكاملة تسعى لتقديم أوراق اعتماد جديدة لدى مراكز القرار في واشنطن.
من الشراكة مع إيران إلى البراءة منها
لكن أهم ما تكشفه هذه التحركات هو سعيُ الشرع إلى “فكّ الارتباط” الكامل مع طهران. فبخلاف النظام السابق الذي ارتبط عضويّاً بمحور “الممانعة”، يعمدُ الشرع إلى طرد إيران من سوريا، وتقديم ذلك كأوراق اعتمادٍ أمام تل أبيب وواشنطن. فعبارات “عدم السماح لإيران بالعودة إلى الأراضي السوريّة” باتت تتكرر في جميعِ المحافل التي يمثل فيها الشرع أو مقرّبوه.
ومن الواضح أنّ تلك الخطوة لا تستهدف فقط كسبَ رضا إسرائيل والغرب، بل تهدفُ أيضاً إلى تحييدِ الميليشيات المرتبطة بطهران والتي قد تشكّل تهديداً محتملاً على مشروعِ الشرع الداخليّ.
أمام هذا المشهد، يتبيّن أنَّ أحمد الشرع لا يتحرك وفق استراتيجيّة وطنيّة بقدر ما يتصرف كشخصٍ في معركةٍ مفتوحةٍ للبقاء السياسيّ. فمن لقاءات سريّة مع الإسرائيليّين، إلى تملقِ إدارة ترامب، مروراً بالتنصلِ من إيران، وتقديم امتيازاتٍ اقتصاديّةٍ للغرب، تظهر ملامح مشروع واحد: البقاء في السلطة بأيّ ثمن.
الشرع لم يعُد يرى التحالفاتِ على أنّها خياراتٌ استراتيجيةٌ، بل أدوات ظرفيّة تساعده في تأمين الاستقرار الداخليّ وإضعاف خصومه. ولهذا يقدّم نفسه على أنّه “البديل المعقول” عن الفوضى.
لكن في المقابل، فإنّ هذه التحركات قد تُحدث تصدعات داخليّة كبيرة، خصوصاً أنّ شرائح واسعة من السوريّين لا تزال تنظر بعينِ الريبة إلى أيّ تقاربٍ مع إسرائيل، ناهيك عن “بيع الثروات” وفتح البلاد أمام نفوذ الشركات الأجنبيّة. كما أنّ استمرار صمت دمشق الرسميّ حيال العمليّة الإسرائيليّة داخل أراضيها، وسكوتها عن المحادثات التي جرت في أبو ظبي، يشيرُ إلى أنّ الشرع يسير في مسارٍ مرسومٍ بعنايةٍ، وإن كان محاطاً بالكثير من المخاطر.
لقاءٌ ورفع العقوبات الأمريكيّة
هذه الفترة تحملُ تطورات جديدة، خصوصاً مع جولة الرئيس الأمريكيّ ترامب إلى الشرق الأوسط واختياره السعودية لتكون أول محطة خارجيّة بعد توليه الرئاسة، وقد بدأت الجولة الثلاثاء 13 أيار، وتضمنت توقيع اتفاق شراكة استراتيجيّة مع السعوديّة، وقال الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب، إنّه سيرفع العقوبات عن سوريا لمنح سلطة دمشق فرصة جديدة. وتابع أمام منتدى الاستثمار السعوديّ الأمريكيّ بالرياض أعلن الرئيس الأمريكيّ ترامب، قرار إيقاف العقوبات الأمريكيّة عن سوريا بعد وساطة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وأعرب ترامب خلال المنتدى عن أمل بلاده في أن تنجح الحكومة السورية الجديدة في تحقيق الاستقرار والحفاظ على الأمن في البلاد. وأضاف أن “سوريا التي شهدت الكثير من المعاناة والموت، لديها الآن حكومة جديدة، وعلينا جميعاً أن نأمل في أن تتمكن من تحقيق الاستقرار في البلاد والحفاظ على السلام”.
وتضمن برنامج الرئيس الأمريكيّ لقاءً مع رئيس سلطة دمشق أحمد الشرع، وبصرف النظر عما تداولته بعض الوكالات لإطراء الرئيس ترامب للشرع، فإنّ الأهمية تنصبُّ عما طلب منه في المستوى السياسيّ، فقد أعلن البيت الأبيض أنّ الرئيس الأمريكيّ، دونالد ترامب، دعا رئيس سلطة دمشق أحمد الشرع إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل والانضمام إلى اتفاقات أبراهام، والتي تم بموجبها تطبيع العلاقات بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين والمغرب عام 2020. كما دعاه إلى تكثيف الجهود لمنع عودة “داعش” في سوريا، وحثه على ترحيل الفصائل الفلسطينيّة الموجودة على الأراضي السوريّة.
في المقابل، أبلغ الشرع ترامب أنّه يدعو الشركات الأمريكيّة للاستثمار في قطاع النفط والغاز بسوريا، بحسب البيت الأبيض.
ما يجري اليوم يعيدُ رسمَ ملامح سوريا ما بعد الأسد، لكن ليس بالضرورة على أسس ديمقراطيّة أو شعبيّة. بل يبدو أنّ المنطقة تحوّلت إلى مسرحٍ معقّدٍ من الصفقات، حيث يلعب الشرع دور البائع والمشتري والمفاوض في آنٍ واحد، والغاية واحدة: أن يبقى.




