د. يونس بهرام
تستمر المنطقة في التفاعل مع تحولات جيوسياسية متسارعة، حيث تزداد التوترات بين العراق وتركيا بشكلٍ ملحوظ، وذلك في إطار الصراع المستمر على الأمن، المياه، والطاقة. تتداخل قضايا عدة تتعلق بالأزمة السورية، وملف الكرد، وممارسات الابتزاز التركي، لا سيما ما يتعلق بالتحكم في مياه نهري دجلة والفرات. تحت وطأة هذه الضغوطات، بدأ العراق في استكشاف خيارات بديلة، حيث يبرز خيار إعادة استخدام أنابيب التيفور الممتدة عبر الأراضي السورية كإحدى الأدوات الاستراتيجية للرد على السياسات التركية. وفي خضم هذه المواجهات، تتصاعد المخاوف من تأثيرات هذه التحولات على الاستقرار الإقليمي ومصالح القوى الكبرى في المنطقة.
معادلة الابتزاز التركي
لطالما اعتبرت تركيا ملف المياه أحد أسلحة الضغط الفعالة في علاقاتها مع جيرانها في المنطقة، وخاصةً مع العراق وسوريا، فمن خلال التحكم بتدفق مياه نهري الفرات ودجلة، استخدمت أنقرة هذه الورقة لتوجيه رسائل سياسية واقتصادية تهدد استقرار العراق، في محاولة لفرض إرادتها على دول المنطقة. وعلى مدار السنوات الماضية، عملت تركيا على بناء استراتيجيات معقدة، هدفها فرض الهيمنة على موارد المياه الإقليمية.
من جهة أخرى، يرى العراق أن هذه السياسات تمثل تهديداً مباشراً للأمن الوطني، حيث أدى نقص المياه إلى تقليص الإنتاج الزراعي وتدهور الظروف المعيشية للعديد من المناطق العراقية. في هذا السياق، بدأ العراق في البحث عن بدائل استراتيجية، وقد تركزت الأنظار على إعادة استخدام أنابيب التيفور النفطية، التي كانت تربط العراق بسوريا لنقل النفط الخام إلى البحر الأبيض المتوسط. تعد هذه الأنابيب بمثابة ورقة ضغط كبيرة على تركيا، إذ تتيح للعراق تعزيز استقلاليته الاقتصادية والطاقة، وتقليص الاعتماد على تركيا في تصدير النفط، ما يشكّل تهديداً مباشراً لمصالح أنقرة في المنطقة.
إعادة استخدام أنابيب التيفور استراتيجية ضغط اقتصادية وسياسية
بعد سقوط نظام صدام حسين، شهدت العلاقات العراقية التركية تحولات جذرية، حيث باتت تركيا تتبنى سياسات أكثر عدوانية تجاه العراق والجيران بشكلٍ عام. وقد استخدمت أنقرة، من خلال التحكم بمصادر المياه مثل نهري دجلة والفرات، أسلوب “الابتزاز المائي” كأداة للضغط على الدول المعنية، في مقدمتها العراق وسوريا، لكن مع ازدياد القلق العراقي من هذه السياسات، بدأ العراق في التفكير بجدية في إعادة تفعيل أنابيب التيفور، التي كانت تستخدم لنقل النفط من حقول كركوك العراقية عبر الأراضي السورية إلى البحر الأبيض المتوسط.
تعتبر هذه الأنابيب، التي تم تعطيل استخدامها في فترات سابقة بسبب الوضع الأمني في سوريا، واحدة من الخيارات الاستراتيجية القوية للعراق. إن إعادة تشغيلها لن يقتصر على كونه بديلاً عن الطرق الحالية لتصدير النفط، بل سيشكل تهديداً مباشراً للاقتصاد التركي، الذي يعاني من ضغوطات اقتصادية شديدة، وستسهم هذه الخطوة في تعميق العزلة الاقتصادية لتركيا.
داعش وتفجير الوضع في التيفور
في الوقت الذي يتصاعد فيه الخلاف بين العراق وتركيا حول قضايا المياه والطاقة، تتدخل مجموعات مسلحة، أبرزها داعش، في محاولة للسيطرة على المناطق الاستراتيجية مثل تدمر والتيفور، حيث تسعى داعش إلى توسيع نفوذها في هذه المناطق، حيث تضم التيفور منشآت حيوية مثل أنابيب النفط والمضخات، مما يجعلها نقطة استراتيجية تكتسب أهمية كبيرة. تأتي هذه التحركات في وقت حساس، خاصة بعد منع إسرائيل تركيا من إقامة قاعدة عسكرية دائمة في المنطقة.
التدخلات التركية غير المباشرة في هذه المعركة تعكس رغبتها في التأثير على الصراع السوري والعراقي بشكلٍ يتماشى مع مصالحها. من خلال دعمها للمجموعات المسلحة، قد تسعى تركيا إلى تقويض الجهود العراقية والكردية لاستعادة السيطرة على هذه المواقع الحساسة. كما أن استخدام داعش لهذه المناطق يعكس محاولات تركيا لإعاقة محاولات الكرد وحلفائهم من فرض استراتيجياتهم العسكرية والسياسية في المنطقة.
سلطة دمشق وتحولات الصراع الإقليمي
في إطار هذه التحولات، يبرز دور رئيس سلطة دمشق أحمد الشرع الذي يواجه تحديات إقليمية خطيرة. بعد أن أظهر مرونة في سياساته تجاه الكرد، ما يتعارض مع مصالح تركيا، أصبح هدفاً لحملات إقليمية لإزاحته من المشهد. يشير ذلك إلى تصاعد حدة الصراع بين المجموعات المسلحة في المنطقة، سواء تلك التي تدعمها تركيا أو تلك التي تحظى بتأييد روسي وإيراني.
زيارة الجنرال مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، إلى هولير، واستقباله الحار في قصر البرزاني، تثير مخاوف أنقرة بشكلٍ كبير. تعكس هذه الزيارة تعزيز التعاون الكردي بين العراق وسوريا، وهو ما يبعث برسالة قوية إلى تركيا بأن الكرد يسعون لبناء جبهة موحدة لمواجهة تهديدات أنقرة.
التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط
إن التحولات الاستراتيجية الحالية في العراق وسوريا تضع المنطقة أمام تحديات كبيرة، حيث يتداخل ملف النفط والمياه مع صراع النفوذ الإقليمي والدولي.
العراق، بتلويحه بإعادة استخدام أنابيب التيفور، يبعث برسالة قوية مفادها أن زمن الاستسلام للابتزاز التركي قد انتهى. كذلك تكسر الحلم النيو عثماني وأطماعه في الموصل وكركوك ومن جانب آخر، يشير تحرك داعش والمجموعات المسلحة نحو هذه المناطق إلى تعقيدات جديدة في معادلة الصراع، ما يعكس حجم المعركة المقبلة على مستقبل الطاقة والنفوذ الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط.
التحولات الجارية تعكس بداية مرحلة جديدة من الصراع على الموارد والسيطرة في المنطقة، حيث ستظل مسألة المياه والطاقة في قلب هذا الصراع، مع توترات متصاعدة بين القوى الإقليمية والدولية.




