فوزي سليمان
بعيداً عن السياسة وضجيجها وخطاباتها المنمقة والمبطنة ومتاهاتها التي تُدخِل المرء في بحث وتأويل قد تصيب أو تخيب، وبالشكل نفسه؛ بعيداً عن الدبلوماسية وفنتازيتها المتعبة في اختيار الكلمات والجمل التي يقطر منها المجاملات والتودد، سنتناول الحدث مجرداً خالصاً معبراً عن عمق كينونة الإنسان وخلجات العواطف وسحر اللحظة لتضع كل السياسات في سلة اللامبالاة، لنقتحم مباشرةً في انفعالات النفس البشرية لحدث سُمي بالأمل المنتظر الذي تشوبه مخاوف الانتظار المرهقة، ولن نتطرق إلى الدموع التي انهمرت لتطهر كل الوساوس وتزيل الجدار بين اليقين والشك، لينفجر الفرح على شكل دموع مع رعشة لشفاه لا يمكن السيطرة عليها، وترديد نشيد أي رقيب الذي هو هوية شعب حي لا يموت في دقيقة صمت خاشعة تعيد صور أعظم بني البشر وأنبلهم الشهداء وتحدثهم بلغة الوحي، ها قد أوفينا بوعدنا لكم في المضي قدماً على خطاكم ودربكم وسنستمر، وسنستمر حتى نحطم القيود الصدأة عن كل حر نُفي في جزر الحقد والكراهية والبغض، فدفئ الشمس لا يمكن حجبه، كما السلام لا يمكن هزيمته، فأمامه تتلاشى كل قلاع وترسانات الموت المرعبة، وتنهار جدران الفرقة وتذوب الأسلاك الفاصلة بين الإنسان والإنسان، ليرمي بعيداً في محرقة الحقيقة جميع الهويات القاتلة المزيفة والخادعة، حقيقة العشق الأبدي للطبيعة الأم بصبر فرهاد وفدائية درويش عبدي وتضحية مظلوم دوغان ووفاء عكيد وارتباط زيلان وإخلاص كمال بير وعلي جيجك، ليمهدوا الدرب لشمس الحرية وينسجوا من خيوطه الدافئة وأغصان الزيتون أكليل نصر يزين رؤوس أمهات الشهداء.
يا إلهي … كيف يمكن للإنسان وصف غبطة اللحظة، رغم المسافة الطويلة جداً جداً التي تم سلكها للوصول لها، اللحظة التي يتوقف الزمن عندها وتضيع المفردات لتفسح المجال لابتسامة لا يتسع الكون لها، ابتسامة تخنق الكلمات في الحناجر وتنتحر لعدم قدرتها على إعطاء حق وصف اللحظة، أجل …! إنها اللحظة التي تجمد شعب برمته لهول وقعها، يد بيد، كتف لكتف، بعهد جديد، نحو درب لا يزال يعبث خفافيش الظلام إعداء الإنسانية فيه، درب سنخوضه ولكن ليس كما سبق، بل بقوة أعظم وإرادة أقوى وعزيمة لا تلين.
أجل أنها لحظة كونفرانس الأمل والحرية والديمقراطية، كونفرانس أول خطوة نحو النصر وشذرتها.




