قامشلو/ ملاك علي – في وجه المحن، تختلف ردود أفعال الناس؛ منهم من ينكسر، ومنهم من يقف من بين الركام أقوى، وهناك فئة نادرة تُحسن تحويل الألم إلى فن، والمرض إلى حافز للحياة، “رازي سليمان أمّاراني” واحدة من هؤلاء النساء اللواتي لم يستسلمن أمام مرض خبيث كاد أن يسلبها أحلامها وحياتها، لكنها اختارت أن تواجهه بالإبرة والخيط، وأن تنسج من محنتها قصة أمل لكل امرأة تمر بظروف قاسية.
“رازي سليمان أماراني” لم تكن رحلتها سهلة، لكنها كانت صادقة ومليئة بالإصرار، فبعد أن أنهكتها معركة طويلة مع مرض السرطان، وشارفت على نهايتها، لم تكتفِ رازي بالنجاة فقط، بل أرادت أن تثبت لنفسها وللعالم أن الحياة تستحق أن تُعاش بشغف، عادت إلى هوايتها القديمة، فنّ التطريز بالإيتامين، التي ورثتها عن والدتها، لتبدأ رحلة أخرى، رحلة ترميم الروح وإعادة بناء الأمل من خيوط كانت قديمة لكنها ما زالت قوية. وفي أول مشاركة فنية لها، لم تكتفِ بعمل واحد أو اثنين، بل قدمت ثلاثين لوحة فنية تنبض بالحياة والجمال، وكأنها رسائل مطرّزة لمن يظنون أن المرض نهاية الطريق، رازي لم تكن فقط فنانة في مهرجان فن وأدب المرأة العاشر، بل كانت صوتاً حيّا لكل من ظن أن الأمل مستحيل.
في زوايا أحد أجنحة مهرجان فن وأدب المرأة بنسخته العاشرة، لفتت أنظار الزوّار ثلاثون لوحة مطرزة بدقة وإحساس عالٍ بالجمال، لم تكن مجرد أعمال فنية تقليدية، بل كانت انعكاساً لرحلة شخصية عميقة نسجتها صاحبتها، “رازي سليمان أمّاراني”، امرأة في العقد الرابع من عمرها، تحمل في قلبها قصة انتصار على المرض، وفي يديها موهبة أعادت من خلالها صياغة الأمل بالحياة.
الفن يجمع الدقة والإحساس والصبر
رازي، التي تشارك للمرة الأولى في المهرجان، دخلت عالم التطريز منذ طفولتها، متعلّمة على يد والدتها أسرار هذا الفن الذي يجمع بين الدقة والصبر والإحساس، فيما أوضحت رازي: “كنت أراقب والدتي وهي تطرّز، وشيئاً فشيئاً بدأت أتعلم منها، استهواني هذا العالم منذ صغري، وصار جزءاً من حياتي اليومية، إلى أن توقفت لفترة طويلة بسبب ظروف الحياة”.
لكن الحياة لم تمهلها طويلاً قبل أن تضعها أمام اختبار قاسٍ، الإصابة بمرض السرطان، وبين جلسات العلاج وأيام الألم الطويلة، وجدت نفسها تفتقد شيئاً يمنحها القوة ويشغل تفكيرها بعيداً عن الهم والمرض، وتتابع رازي: “عدت إلى التطريز في أصعب لحظات حياتي، لأعطي نفسي أملاً وأثبت أنني ما زلت قادرة على العطاء، التطريز ساعدني نفسياً بشكل كبير، كان علاجي الموازي”.
فن ينبض بالحياة
في كل لوحة من لوحاتها حكاية تعبّر عن صبرها وتفاصيل معركتها الخاصة، بعضها يستغرق يومين من العمل، وأخرى تطول لأكثر من ذلك، حسب حجمها وتعقيد الرسمة، وهي تميل إلى رسم الورود تحديداً، لما تمثله من رمزية حيث تقول رازي بابتسامة هادئة “أحب الورد لأنه يعبر عن الجمال والتفاؤل، الوردة، حتى لو كانت وحيدة، تبقى جميلة وقادرة على أن تبث الحياة من حولها”.
ورغم أن المواد التي استخدمتها كانت قديمة واحتفظت بها منذ سنوات، فإن كل عمل قدّمته بدا وكأنه جديد ينبض بالحياة، ولم تحتفظ رازي بهذه الموهبة لنفسها، بل قررت أن تنقلها إلى ابنتها أيضاً، لتصبح المهنة إرثاً عائلياً وجزءاً من الروح التي لا تموت داخل البيت.
واختتمت “رازي سليمان أماراني” حديثها برسالة واضحة، تحمل خلاصة تجربتها: “لا أحد يجب أن يستسلم في هذه الحياة، كل أزمة يمكن أن نصنع منها بداية جديدة، أنا انتصرت على المرض، وأطرّز كل يوم حكاية جديدة بخيوط الأمل، الحياة تستحق أن نتمسك بها، حتى في أحلك لحظاتها”. 





