أفيندار مصطفى
في بلادٍ اعتادت أن تُغسل شوارعها بالدم، لا تزال الأرواح تُزهق، وكأنها لا تساوي شيئًا. في الساحل كما في الداخل، في الشرق كما في الغرب، لا فرق بين من قُتل بالبراميل، وبين من قضى تحت التعذيب، لا فرق بين من غاب اسمه في مقابر جماعية، وبين من جرفته البحار في رحلة هروب من موتٍ محتم. كل الدماء واحدة، وكل الأمهات اللواتي ثُكلن بالحزن ذاته، يحملن في عيونهن السؤال: إلى متى؟
التاريخ الذي لم يغفر
لسنواتٍ طويلة، ارتُكبت المجازر تحت راياتٍ مختلفة، تغيرت الأسماء والوجوه، لكن آلة القتل لم تتوقف يومًا. أيام بشار الأسد لم تكن سوى فصلٍ طويل من العنف، حيث غدت البلاد معتقلاً كبيرًا، فكان الموت يأتي على هيئة حكم إعدام، أو قذيفة طائشة، أو جوعٍ في زنزانةٍ ضيقة. واليوم، يتكرر المشهد بوجوهٍ جديدة وأسماء أخرى، لكن الدرس واحد: لم يكن الوطن يومًا سببًا في هذا الخراب، بل من ادّعوا حمايته، فدمّروا أهله.
نعم للمحاسبة لا للانتقام
حين نطالب بالمحاسبة، فنحن لا نبحث عن انتقام، لأن الانتقام لا يعيد من فقدنا، ولا يشفي قلب أمٍّ مزّقها الغياب. لا نريد أن نصبح قتلةً مثل جلادينا، ولا نريد أن ننزلق إلى حفرة الكراهية، التي صنعوها لنا. المحاسبة هي حقٌ، والعدالة هي الطريق الوحيد، الذي يُنصف الضحايا، أما الانتقام فليس سوى نارٍ أخرى تحرقنا جميعًا.
لنكن سوريين معًا
كم مرةٍ قُتلنا لأننا عرب؟ أو كرد؟ أو علويون؟ أو دروز؟ كم مرةٍ دفعنا ثمن أسماء قبائلنا وطوائفنا، وكأنها كانت جرمًا؟ آن الأوان أن نخلع عنّا هذه القشور الزائفة، أن نكون سوريين فحسب. أن ننظر في وجوه بعضنا ونرى الإنسان، لا الهوية الضيقة التي قسّمتنا.
الوطن الذي نحلم به لن يُبنى على القبور، ولن ينهض من بين الرماد؛ إذا ظللنا نُحصي الجراح دون أن نحاول مداواتها. لا أحد يطلب منا أن ننسى، فالنسيان خيانة، لكنه يطلب منا أن نرى بعضنا بقلوبٍ أقل قسوة، بأيدٍ مستعدة لأن تبني لا أن تهدم، بأن نكون بحجم الألم الذي عشناه، فنحوله إلى قوةٍ تجعلنا نرتقي فوق الطوائف والقوميات، لنكون شيئًا أكبر: سوريين، وكفى.
دماؤنا ليست رخيصة، ولن تكون كذلك ما دمنا نرفض أن نغرق في مستنقع الكراهية. لنُبقِ جراحنا مفتوحة للعدالة، لا للانتقام، ولنحمل راية الوطن لا رايات الفرقة. وحدها سوريا تستحق أن نمنحها فرصةً جديدة، لتولد من رمادها كما يليق بها.




