محمد عيسى
لم يكن التدخّل التركيّ في سوريا مجرد عملية عسكريّة عابرة، ولا محاولة مؤقتة لتوسيع النفوذ. بل تحولت أنقرة إلى قوة تُعيد رسم المشهد السياسيّ والعسكريّ في البلاد، مستخدمةً أدوات ناعمة وخشنة، من الجامعات إلى الجيش، ومن قاعات المحاضرات إلى قواعد التدريب العسكريّ. لم تعد سوريا بالنسبة لتركيا ساحة نزاعٍ بين أطراف إقليمية فحسب، بل أصبحت مشروعاً سياسيّا متكاملاً، يتم نسجه بخيوطٍ دقيقة، حيث يتداخل القانون مع السلاح، والسياسة مع الاقتصاد، في مزيج يهدف إلى خلق “سوريا التركيّة”.
أكاديميون بملامح سوريّة وأفكار تركيّة
في قلبِ هذا المخطط، ظهرت لجنة قانونيّة جديدة، تبدو في ظاهرها مؤسسة سوريّة مستقلة، لكنها في جوهرها انعكاس للنفوذ التركيّ العميق. الأسماء التي جرى اختيارها، لم تكن مجرد شخصيات قانونيّة بارزة، بل كانت امتداداً لمشروع أنقرة الطموح للسيطرة على مستقبل البلاد.
عبد الحميد عواك، رجل قانون يحمل دكتوراه في القانون الدستوريّ، محاضر في جامعة ماردين آرتوكلو، الجامعة التركيّة التي كانت لسنوات مركزاً لصياغة السياسات التركيّة في المنطقة. اختيار رجل تلقى علومه القانونيّة في بيئةٍ تركيّةٍ، ليكونَ في قلبِ صناعة القرار القانونيّ السوريّ، لم يكن محضَّ صدفة. بل جزءٌ من رؤيةٍ تسعى إلى زرع كوادر مؤدلجة، تؤمن بأنقرة قبل أن تؤمن بسوريا.
إلى جانبه، تأتي الصحافية والباحثة بهية مارديني، الحاصلة على دكتوراه في الحقوق. امرأة درست وعاشت في بريطانيا، لكنها لم تكن بعيدة عن التأثير التركيّ، حيث كانت جزءاً من مشاريع بحثيّة تموّلها مؤسسات مرتبطة بأنقرة. في ظاهر الأمر، تبدو مارديني شخصية مستقلة، لكن وجودها داخل اللجنة القانونيّة الجديدة يثير تساؤلات عميقة: لماذا يقع اختيار السلطة الجديدة على شخصيات مرتبطة بالخارج، وتحديداً بأنقرة، لصياغةِ القوانين السوريّة؟
ثم هناك محمد رضا جلخي، الذي يحمل دكتوراه في القانون الدوليّ من كلية الشريعة والحقوق بجامعة إدلب، تلك الجامعة التي أصبحت مركزاً لصناعةِ العقولِ المؤيّدة لتركيا في الشمال السوريّ. وإدخال رجل تلقى تعليمه في مؤسسة خاضعة بشكل كامل لأنقرة، إلى مؤسسة قانونيّة سوريّة رسميّة، يعكسُ كيف تحاول تركيا صناعة طبقة قانونيّة تابعة لها داخل بنية الدولة الجديدة.
أما ياسر الحويش، الذي جرى تعيينه عميداً لكلية الحقوق في جامعة دمشق، فقد كان وجوده بمثابة الحلقة الأخيرة في سلسلة الهيمنة القانونيّة التركيّة، فالرجل يحمل شهادة دكتوراه في القانونِ الدوليّ، لكنه جزء من شبكة قانونيّة تمتد خيوطها إلى أنقرة، ما يعزز الفرضية بأنّ كلّ خطوةٍ قانونيّةٍ في سوريا، من صياغة الدستور إلى التشريعات المستقبليّة، ستكون تحت عيون وأيدي تركيا.
إعادة هيكلة الجيش السوريّ
لكن تركيا لم تكتفِ باختراق البنية القانونيّة والسياسيّة، بل تحركت مباشرةً نحو المؤسسة الأكثر حساسيّة: الجيش السوريّ.
ففي خطوة لم تكن مفاجئة لمن تابع التمدد التركيّ في سوريا، أعلنت وزارة الدفاع التركيّة أنها بصدد تعيين مستشار عسكريّ للجيش السوريّ، خطوة قد تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تعني شيئاً أعمق بكثير: إعادة تشكيل الجيش السوريّ بما يتناسب مع الرؤية التركيّة. والخطط التركيّة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تشمل إعادة هيكلة الجيش بالكامل، من خلال:
إدخال ضباط أتراك كمستشارين في القيادة العامة، بحيث يكون التوجيه العسكريّ تحت إشراف تركيّ مباشر. تدريب الضباط السوريين على الأساليب القتاليّة التركيّة، وهي خطوةٌ تهدف إلى خلق جيش بعقيدة قتاليّة تركيّة، بدلاً من الإرثِ العسكريّ السوريّ السابق.
إمداد الجيش السوريّ بأسلحةٍ ومعداتٍ عسكريّة تركيّة، ما يعني أنّ الاعتماد التسليحيّ سيكون على أنقرة، وهو ما يضمن بقاء سوريا تحت الهيمنة التركيّة على المدى الطويل.
إنشاء قاعدتين جويتين تركيتين في وسط سوريا، ما يمنح أنقرة القدرة على التحرك بحرية داخل الأراضي السوريّة، وتوجيه العمليات العسكريّة بما يخدم مصالحها.
هذه الخطوات تُعيد إلى الأذهان ما فعلته تركيا في شمال قبرص بعد احتلالها عام 1974، حيث فرضت هيمنة عسكريّة واقتصاديّة على المنطقة، وخلقت جيشاً محليّاً تابعاً لها بالكامل. وسوريا اليوم تواجه المصير نفسه، ولكن على نطاق أوسع وأكثر تعقيداً.
قلق إسرائيليّ عميق
في تل أبيب، لم يكن التوسع التركيّ في سوريا مجرد حدثاً عابراً، بل تحول إلى ملف استراتيجيّ يشغل دوائر صنع القرار. إسرائيل، التي لطالما ركّزت على النفوذ الإيرانيّ في سوريا، واعتبرته تهديدها الأكبر، تجد نفسها اليوم أمام معضلةٍ جديدةٍ لا تقل خطورة: تركيا تقترب من حدودها، ليس عبر أدواتها التقليديّة من مساجد وجمعيات خيريّة، بل من خلال توغلٍ عسكريّ واقتصاديّ وسياسيّ متسارع، يُعيد رسمَ خارطة النفوذ في المنطقة.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفقاً لتقارير إسرائيليّة، لم يُخفِ قلقه المتزايد. في اجتماعاتٍ مغلقةٍ مع كبار مستشاريه الأمنيين، كانت عبارة واحدة تتكرر: “المواجهة مع تركيا حتميّة”، هذا التصعيد في اللهجةِ يعكسُ تحولاً في التفكير الإسرائيليّ، حيث لم تعد تل أبيب ترى أنقرة مجرد منافسٍ إقليميّ، بل تعتبرها تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية.
التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية حذرت من أن الجيش السوريّ الجديد، الذي يتلقى تدريبه وتسليحه على يد الأتراك، قد يتحوّل إلى أداة في يد أنقرة، مما يغير قواعد اللعبة بالكامل. هذا الجيش، الذي يتشكل تحت إشراف تركيا، لا يشكل فقط قوة عسكريّة ناشئة، بل يمثل امتداداً لنفوذ أنقرة في قلب المشهد السوريّ، وهو ما قد يهدد المصالح الإسرائيلية بشكل غير مسبوق.
لجنة “ناغل”، المختصة بمستقبل الأمن القومي الإسرائيلي، قدمت تقريراً لرئيس الوزراء في كانون الثاني الماضي، خلص إلى أن “التحالف السوريّ – التركيّ قد يشكل تهديداً يفوق حتى الخطر الإيراني”. هذه الجملة لم تكن مجرد تحذير، بل كانت بمثابة جرس إنذار ينذر بأن المنطقة قد تكون على أعتاب صراع جديد، حيث تتقاطع المصالح التركيّة مع الخطوط الحمراء الإسرائيلية، مما قد يدفع تل أبيب لإعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية والعسكريّة في سوريا والمنطقة.
“تدمر” مقايضة سوريّة – تركيّة
لم تكن تدمر يوماً مجرد مدينة أثريّة عريقة، بل كانت دائماً عقدةَ الصراع في قلب سوريا، حيث تتقاطع المصالح الإقليميّة والدوليّة كما تتقاطع قوافل التجارة منذ آلاف السنين. واليوم، تعود تدمر إلى الواجهة من جديد، ليس فقط كموقعٍ تاريخيّ، ولكن كمفتاح استراتيجيّ تتنازعه القوى الكبرى، في مشهدٍ يعيدُ إلى الأذهان صراعات قديمة دارت رحاها في هذا المكان بالذات.
في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير عن صفقة يجري التفاوض عليها بين أنقرة ودمشق، تتعلق بتسليم مناطق قرب تدمر للقوات التركيّة مقابل دعم اقتصاديّ وعسكريّ، يبدو أنَّ هذه المدينة تتحول مرة أخرى إلى نقطةِ ارتكازٍ جديدةٍ للعبةِ النفوذ في المنطقة. فتركيا، التي ترى في تدمر بوابة نحو الهيمنة في وسط سوريا، تدرك جيداً أنها بهذا التقدم لا تفرض سيطرتها على الأرض فحسب، بل تتحكم في طرق الإمدادات الحيويّة التي تربط العراق بسوريا، والبادية السوريّة بالساحل، وخطوط الطاقة من الخليج إلى المتوسط فأوروبا.
ولكن تركيا ليست الوحيدة التي تدرك أهمية هذه المدينة، فإسرائيل تتابع التحركات التركيّة في تدمر بقلق متزايد، معتبرةً أنَّ تحولها إلى قاعدةٍ تركيّةٍ سيؤدي إلى تغيير جذريّ في توازن القوى في المنطقة. فالمخاوف الإسرائيليّة لا تتوقف عند مسألة التواجد التركيّ بحد ذاته، بل تمتد إلى ما يمكن أن يعنيه هذا التواجد على المستوى العسكريّ والاستراتيجي في المدى البعيد، خاصةً مع الحديث عن تنسيق عسكريّ بين أنقرة ودمشق يهدف إلى إعادة هيكلة الجيش السوريّ، ما قد يمنح تركيا موطئ قدم دائماً في وسط سوريا، على مقربة من الجولان وحدود إسرائيل الشماليّة.
ولكن المفارقة الكبرى أنّ تدمر لم تكن يوماً خارج دائرة التنافس بين الحلفاء أنفسهم. قبل أن يتصارع الحليفان التركيّ والإسرائيليّ على تدمر اليوم، وقبل أن تتنافس إيران وروسيا على النفوذ في سوريا خلال العقد الماضي، كانت هذه المدينة محور التنافس بين الحليفين الفرنسيّ والبريطانيّ قبل أكثر من مئة عام، قبل أن تتحول الأنظار لاحقاً إلى الموصل الغنية بالنفط.
فمنذ انهيار الدولة العثمانيّة، أدركت القوى الاستعمارية أنّ السيطرة على تدمر تعني التحكم بمفترق الطرق الحيويّ في المنطقة، حيث تلتقي طرقُ التجارة بين الشرق والغرب، وتتفرع الممرات الاستراتيجيّة التي تربط بلاد الشام بالجزيرة العربية والعراق، وفي معاهدة سايكس بيكو، لم يكن الصراع على سوريا محصوراً بين الفرنسيين والبريطانيين فقط، بل كان في جوهره سباقاً للسيطرة على المناطق التي تشكل عقدة طرق الطاقة والممرات التجاريّة، والتي كانت تدمر في قلبها.
يبدو أن من يستحكم بتدمر، يسيطر على مفاصل سوريا في الاتجاهات الأربعة، ويتحكم في الممرات البريّة الكبرى، وخطوط الطاقة الحيويّة نحو البحر المتوسط، ومنه إلى أوروبا. واليوم، تعيد القوى الكبرى ترتيب خرائط نفوذها في سوريا، ولكن بالعقليّة القديمة نفسها: السيطرة على تدمر تعني التحكم بقلب المنطقة، وبالنتيجة الإمساك بمفتاح المستقبل.
وما يفاقم خطورة هذا الوضع أنّ سلطة دمشق الجديدة، التي شطبت على زنوبيا من مناهجها الدراسيّة، تبدو وكأنّها تستعد لشطب تدمر بالكامل، ليس من الكتب فقط، بل من الجغرافيا السياسيّة أيضاً، فبعدما كانت زنوبيا رمزاً للكرامة والسيادة، أصبحت تدمر اليوم سلعة معروضة للبيع لأولِ مشترٍ، في سوق المصالح التي تحددها صفقاتُ القوة والنفوذ.
بصمات احتلاليّة واضحة
منذ انعقاد مؤتمر ما يسمى بـ”النصر” في 29 شباط، حيث تم الكشف عن الخطوط العريضة للمرحلة السياسيّة المقبلة في سوريا، بات واضحاً أنّ الدور التركيّ يتجاوز مجرد الدعم الخارجيّ للسلطة الجديدة، ليصل إلى مرحلة الشراكة الفعليّة في رسم ملامح المستقبل السوريّ، فالأمر لم يقتصر على التأييد السياسيّ أو المساعدات الاقتصاديّة، بل امتد ليشمل إعادة هيكلة شاملة لمفاصلِ الدولةِ، بما يضمن أن سوريا القادمة لن تكونَ دولة ذات سيادة مستقلة، بل امتداداً مباشراً للمشروع التركيّ في المنطقة، بملامح يُعاد رسمها وفق رؤية أنقرة، لا وفق المصالح الوطنيّة السوريّة.
أحد أبرز الشواهد على هذا التغلغل التركيّ هو الدستور السوريّ الجديد، الذي يُفترض أن يكونَ الوثيقة الأهم التي ستحدد شكل البلاد لعقود قادمة، لكن من صاغوا هذا الدستور، ومن وضعوا أسسه القانونيّة، ليسوا سوى شخصيات لها ارتباطات مباشرة بأنقرة، سواء عبر الجامعات التي درسوا فيها، أو من خلال المؤسسات القانونيّة التي عملوا بها، أو حتى عبر المناصب التي تقلدوها سابقاً في إدلب وتركيا. ليس الأمر مجرد مصادفة، بل مخطط متكامل يهدف إلى خلق بيئة قانونيّة تتماشى تماماً مع المصالح التركيّة، وتجعل من سوريا الجديدة تابعة سياسيّا واقتصاديّاً وعسكريّا لأنقرة.
فهذا الدستور الجديد لا يُصاغ في دمشق بمعزلٍ عن التأثيرات الخارجيّة، بل يُكتب تحت إشراف غير مباشر من أنقرة، التي تدرك أنّ التحكم في القوانين هو المدخل الرئيسيّ للسيطرة طويلة الأمد. فبمجرد أن يتم ترسيخ المبادئ القانونيّة التي تخدم تركيا في قلب الدستورِ السوريّ، يصبح من المستحيل تقريباً تغيير المسار السياسيّ والاقتصاديّ والعسكريّ للبلاد دون مواجهة عراقيل قانونيّة ضخمة.
وليس الدستور وحده ما يحمل بصمات أنقرة، بل المشهد بأكمله يعكس إعادة تشكيل سوريا وفق النموذج التركيّ. فإلى جانب القوانين الجديدة، هناك تغييرات تطال بنية الجيش، وإعادة هيكلة للمؤسسات الأمنيّة والاقتصاديّة، وتعزيز للحضور التركيّ ليس فقط عبر المستشارين العسكريّين والاقتصاديّين، ولكن أيضاً عبر اختراق النظام التعليميّ والإعلاميّ، مما يعني أنَّ الأجيال القادمة ستتربّى على مفاهيم تخدم الرؤية التركيّة، بدلاً من المفاهيم الوطنيّة السوريّة.
في ظل هذه التحولات، لا تبدو سوريا الجديدة دولة مستقلةً بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، بل كياناً يتم إعداده ليكون جزءاً من المحور التركيّ في المنطقة، سواء من خلال القوانين التي تُسنّ، أو المناهج التي تُدرَّس، أو السياسات الاقتصاديّة التي تُنفَّذ. فقد بات واضحاً أن أنقرة لا تفرض وجودها بالقوة العسكريّة فقط، بل تستخدم العقول والسياسات والتشريعات لترسيخ نفوذها. الأكاديميون، القضاة، الضباط، القواعد العسكريّة، وحتى الدستور نفسه، كلها أدوات تُستخدم اليوم لترسيخ هذه السيطرة، وتحويل سوريا إلى دولة تابعة للقرار التركيّ، لا دولة ذات سيادة حقيقيّة.




