فوزي سليمان
تطورات متسارعة وخطيرة جداً تشهدها المنطقة والعالم، والتي وصلت الى مستويات يمكن القول معها إنه لم يعد هناك خط رجعة إلى ما كانت عليه الأمور بعد الحرب العالمية الثانية، حيث انقسم العالم إلى قطبين معروفين، وبإيجاز سريع يمكننا القول إننا مقدمون على مرحلة جديدة معها ستظهر كيانات مستحدثة وبنفس الوقت زوال أخرى أو أفول نجمها، وتبقى الفرصة متاحة لصالح القوى المنظمة والجاهزة لتلبية متطلبات التغييرات المتسارعة أو الانجراف نحو الهاوية، ولذلك؛ فإن الاستمرار في اتباع السياسات التقليدية المبنية على الإنكار والقتل والتدمير والإرهاب ستؤدي حتماً إلى نتائج كارثية لا تُحمد عقباها، ومع كل أسف تتجه الأمور إلى هذا المنحى، والحرب التركية ضد الشعب الكردي في العديد من الساحات وكذلك الحرب الأوكرانية والإسرائيلية الفلسطينية أمثلة صارخة على توحش السياسة المُتبعة عالمياً، حيث يطغى على المشهد فقط وفقط لغة التسلح والدمار وكأن الحضارة أضحت تقاس بها، فالمشهد عموماً لا يدعو إلى التفاؤل، وخصوصاً في ظل غياب الحلول العادلة والحقوقية المشروعة لكل القضايا العالقة والتي هي سبب من أسباب الأزمة العالمية وعلى سبيل المثل وليس الحصر قضية الشعب الكردستاني، وحتى وإن وجدت حلول فإنها ليست إلا تدوير للأزمات ولكن بأشكال ومسميات مختلفة تماماً كما يحصل في تركيا والقوى التي تدور في فللكها، ولذلك فإن القفز فوق مطالب الشعوب العادلة في الحرية والديمقراطية لن يُغيّر شيء بل سيُعقد الأمور أكثر وأكثر ولذلك لابد من فهم حقيقة الشعوب لأنها لا تكترث بترسانات الأسلحة التي أضحت لعنة العصر ولا بسياسات التضليل والخطابات الجوفاء المكررة منذ ما يقارب قرن بأكمله.
هنا لا يخفى على أحد إن الصراع المُسلح في تركيا الذي يقوده حزب العمال الكردستاني منذ أربعة عقود ونيف جاء كرد فعل تجاه سياسة الإبادة والإنكار التركيّة والتي لا زالت مستمرة بكل زخم حتى يومنا ضد الشعب الكردي.
وعلى الرغم من إطلاق قائد حزب العمال الكردستاني مؤخراً مبادرة سلام من سجنه في ايمرالي والذي عبّر فيه عن استعداده لخوض سبيل حل القضية بالطرق السلمية والديمقراطية والقانونية إلا إنه وعلى ما يبدو أن الدولة التركية غير مستعدة لعملية السلام، وذلك كان جلياً من تقرباتها العملية على الأرض والتي تتجه فعلياً إلى سلام عادل وحسب إنما إلى فرض عملية استسلام وكأن شيئاً لم يكن، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على عدم جدية الدولة التركية من المبادرة السلمية، ويؤكد ذلك هو استمرارها في الحرب في العديد من الساحات وبوتيرة أشد من السابق، رغم إعلان قادة الحزب عن عملية وقف لإطلاق النار من جانب واحد ليؤكدوا التزامهم وثقتهم المُطلقة بمبادرة القائد عبد الله أوجلان، إلا إن الدولة التركيّة لا زالت مستمرة في عنجهيتها وكأن شيئاً لم يكن، وهنا لابد من الإشارة إن مبادرة السلام الأخيرة ليست الأولى من نوعها وإنما سبقتها مبادرات عديدة وكلها باءت بالفشل، وذلك يؤكد زيف ورياء ادعاءات الدولة التركية، لأنها لو كانت فعلاً جادة في عملية السلام كان عليها قبل أي شيء آخر رفع العزلة عن القائد عبد الله أوجلان لإتاحة مساحة من الحرية له تمكنه من قيادة المرحلة من خلال التواصل المباشر مع رفاقه، وإزالة العوائق والعراقيل أمام مبادرة السلام، وما يحدث في الواقع هو العكس تماماً، حيث لا يزال التجريد مستمراً بحقه وأشد من السابق، ناهيك عن إنه كان على الدولة التركية وكبادرة حُسن نية أن تعلن هي الأخرى عن عملية وقف لإطلاق النار، لبناء الثقة المفقودة بين الكرد والحكومات المتعاقبة لأكثر من عقد، وكذلك خطو خطوات قانونية ودستورية تمهد السبيل لذلك، إلا إنه أي شيئ من ذلك لم يحدث، ورغم التفاعل الدولي الملحوظ من مبادرة السلام وتأييدهم لها.
لاتزال الدولة التركية مستمرة في انتهاج خطاب هلامي خادع ومزيف للحقائق والتاريخ، وخصوصاً في الأزمات التي تعصف بها بين الفنية والأخرى، والأحداث الأخيرة التي عقبت اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أمام أكرم أوغلو تؤكد هذه الحقيقة، وتؤكد بأن تركيا تعيش أسوأ أيامها منذ مائة عام وعلى كافة الأصعدة، ناهيك عن العزلة الدولية التي أقحمت نفسها فيها نتيجة ممارساتها الخاطئة والقاتلة ويبدو أيقنت ذلك ولكن بعد فوات الأوان.
وبناءً على ما تقدّم فإن الخيارات أمام تركيا محدودة جداً، فإما أن تقوم وبجرأة بحل القضايا التي تواجهها وبشفافية مُطلقة وعلى رأسها قضية الشعب الكردستاني، وأما التوجه نحو مزيد من الانقسام والانحسار وعلى كل كافة الصعد وفي مقدمتها الصعيد الجغرافي، فالأبواب أضحت متاحة أمام حركة الحرية بعد أن كانت موصدة، والعبرة لمن اعتبر.




