دلبرين بطال
شهدت الساحة السورية تطورًا سياسيًا وعسكريًا، غير مسبوق بتوقيع اتفاق بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، ورئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، ويهدف الاتفاق إلى إنهاء حالة الاقتتال في سوريا، ودمج قوات سوريا الديمقراطية، ضمن مؤسسات الدولة السورية، في خطوة توصف بأنها مفصلية في تاريخ الصراع السوري.
يأتي هذا الاتفاق وسط تصعيد عسكري واسع، حيث تكثّف تركيا هجماتها على مناطق شمال وشرق سوريا، بالتزامن مع هجمات استهدفت الساحل السوري في الأسابيع الأخيرة، ما جعل الحاجة إلى وقف شامل لإطلاق النار أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
وكان من أبرز بنود الاتفاقية، التأكيد على مبدأ المواطنة المتساوية، ومشاركة السوريين في مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية، والتأكيد على أن الكرد شعب أصيل من الشعب السوري، وضمان تمثيلهم في الدستور والمؤسسات الرسمية.
وإنهاء العمليات القتالية في أنحاء البلاد، بما في ذلك شمال وشرق سوريا، التي كانت مسرحًا لهجمات مستمرة من الجيش التركي، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في هيكل الدولة السورية، وعودة المهجرين وضمان حق عودة السوريين المهجرين إلى مناطقهم، مع توفير بيئة آمنة لهم بعيدًا عن أي انتقام سياسي أو عسكري. كما أن الاتفاق، أكد على مكافحة التهديدات الأمنية، وتعزيز التعاون بين الأطراف المختلفة لضمان الأمن والاستقرار في البلاد، ورفض التقسيم وخطاب الكراهية، وتشكيل لجان تنفيذية مختصة لضمان تطبيق بنود الاتفاق بشكل عملي قبل نهاية عام 2025.
وقف إطلاق النار مطلب ملح
لقد جاء هذا الاتفاق في ظل تصعيد غير مسبوق من تركيا، حيث شن جيش الاحتلال التركي، براً وجواً على مدن وبلدات شمال وشرق سوريا، مستهدفاً كوباني، تل تمر، وعين عيسى، وسد تشرين، وجسر قرقوزاق، وغيرها.
أدى هذا القصف إلى مقتل وإصابة العشرات من المدنيين، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك محطات الكهرباء والمياه، كما أدى إلى موجة نزوح جديدة في المنطقة، مما زاد معاناة السكان الذين يعيشون أصلاً في ظل ظروف إنسانية صعبة.
يعتبر وقف إطلاق النار، الذي نص عليه الاتفاق، مطلبًا ملحًا لمنع المزيد من التصعيد، وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، خصوصًا أن التدخلات التركية لطالما شكلت عقبة أمام أي جهود للسلام في سوريا.
وتحدثت عن ذلك، الرئيسة المشتركة لهيئة العلاقات الخارجية، إلهام أحمد: إن “وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات المدنية، والعسكرية، خطوات ضرورية لحل الأزمة السورية، لكن يجب أن تكون هناك ضمانات حقيقية لتنفيذ هذا الاتفاق، ولا يمكن تحقيق السلام، إذا استمرت الهجمات التركية، وعلى المجتمع الدولي أن يضغط لوقف هذه الاعتداءات التي تعيق أي جهود لإحلال الاستقرار في المنطقة”.
بالإضافة للهجمات التركية المستمرة على شمال وشرق سوريا، شهد الساحل السوري في الأسابيع الأخيرة تصعيدًا خطيرًا، ما أدى لقتل المئات من المدنيين والعسكريين والأمن العام التابع لسلطات دمشق، ووفقًا لمصادر ميدانية، فإن هذه الهجمات استهدفت مناطق في اللاذقية، وطرطوس؛ ما أدى إلى استنفار عسكري كبير في المنطقة.
ويثير هذا التصعيد المخاوف من دخول البلاد في مرحلة جديدة من العنف، خاصة أن الساحل السوري كان قد شهد استقرارًا نسبيًا خلال الفترات الماضية.
ويشير الاتفاق إلى ضرورة وقف العمليات القتالية، بما في ذلك التي تحدث في الساحل السوري، بهدف منع المزيد من الفوضى، وتعزيز الاستقرار. أثار الاتفاق موجة واسعة من ردود الفعل الإيجابية، بين الناشطين والمحللين السياسيين.
فرصة تاريخية لحل الأزمة السورية
يقول الناشط السياسي الكردي، ريزان حمو: ” هذا الاتفاق يمثل فرصة تاريخية لحل الأزمة السورية بشكل سلمي، لكنها لن تكون ذات جدوى ما لم يتوقف العدوان التركي على شمال وشرق سوريا، لذا، يجب أن يكون هناك إلزام دولي لحماية هذا الاتفاق من التدخلات الخارجية”.
أما الإعلامي السوري، كمال الخطيب، فقد أعرب عن تفاؤله الحذر بالاتفاق: “إنه تحول كبير في المشهد السوري، لكنه محفوف بالتحديات، نجاحه يعتمد على مدى قدرة الأطراف على تجاوز خلافاتها، والالتزام الحقيقي بتوحيد سوريا تحت راية واحدة.”
واعتبر المعارض السوري، ناصر السعدي، أن الاتفاق يعكس “صفقة تكتيكية”، أكثر من كونه مشروعًا حقيقيًا للسلام، الجميع يسعى اليوم إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقه، ولا يمكننا التأكد من أن هذا الاتفاق سيستمر طويلًا، خصوصًا مع وجود لاعبين إقليميين لديهم أجندات مختلفة في سوريا.
وفي الخلاصة، إن تم تنفيذ الاتفاق بشكل ناجح، فإنه قد يكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ سوريا، حيث يمكن أن يساهم في إنهاء حالة الفوضى العسكرية، والتناحر بين المجموعات المرتزقة، والحد من التدخلات الخارجية، وخاصة التركية منها، وتمهيد الطريق لمصالحة وطنية شاملة، بمشاركة الشعوب والمكونات السورية، وإعادة بناء الدولة السورية على أسس المواطنة، بعيدًا عن المحاصصة الطائفية، والسياسية، مع ذلك، فإن تحقيق هذه الأهداف يتطلب التزامًا جديًا من الأطراف كلها، بتنفيذ بنود الاتفاقية، إضافة إلى دعم دولي لضمان تنفيذ الاتفاق، وعدم عرقلته من أ
ي قوى داخلية أو خارجية.




