الحسكة / محمد حمود ـ شكلت حالة الغنى الثقافي في إقليم شمال وشرق سوريا في ظل الإدارة الذاتية الديمقراطية جدارا حصينا يحمي ثقافة وهوية أبناء الشعوب والمكونات؛ وفي هذا الإطار جاءت خطوة افتتاح دار الثقافة الأرمنية في الحسكة.
تعرض الشعب الأرمني للإبادة على يد الدولة العثمانية في بداية القرن العشرين، وخلال الإبادة استهدفت الدولة العثمانية المثقفين والشعراء الأرمن في محاولة لإنهاء الثقافة الأرمنية إلى جانب تهجيرهم وتشريدهم، فيما بقيت الأمة الأرمنية بعلومها وعلمائها وفنها وتراثها الحي من أعظم المدراس في التاريخ.
واليوم تحتضن الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا؛ الشعوب والمكونات في المنطقة كافة، فتحفظ كرامتهم وتحقق أمنهم وتصون لغاتهم وثقافاتهم التي تشكل هوية كل شعب على حدة.
إقليم شمال وشرق سوريا حافظ طوال أربعة عشر عاما من الأزمة السورية على النسيج المجتمعي للشعوب؛ وأرسى قواعد احترام الآخر والاعتراف بحقوقه؛ ومع سقوط نظام البعث وفرار بشار الأسد إلى موسكو؛ أثبتت التجربة الديمقراطية أنها خير نموذج لسوريا المستقبل.
إلى ذلك؛ وبمشاركة العشرات من ممثلي الإدارة الذاتية، والأحزاب السياسية والتنظيمات النسائية، وممثلي المجالس العسكرية؛ افتتحت هيئة الثقافة في الإدارة الذاتية الديمقراطية لمقاطعة الجزيرة، بالتنسيق مع المجلس الاجتماعي الأرمني، في السادس عشر من كانون الثاني الحالي، دار الثقافة الأرمنية في حي الكلاسة بمدينة الحسكة.
خطوة لتعزيز العيش المشترك
هذه الخطوة عُدّت تاريخية، وجاءت في سياق تعزيز العيش المشترك بين مكونات إقليم شمال وشرق سوريا، كما أنها تسهم في الحفاظ على ثقافة الشعوب المختلفة في ظل الإدارة الذاتية الديمقراطية.
في السياق؛ التقت صحيفتنا “روناهي” المستشار العام للمجلس الاجتماعي الأرمني؛ عماد تتريان، الذي تحدث عن أبرز الأهداف المتوخاة من افتتاح دار الثقافة الأرمنية، وهو إحياء الثقافة الأرمنية التي تم طمسها ومحاولة الإجهاز عليها من الدولة العثمانية المحتلة؛ التي جثمت على صدور شعوب المنطقة مئات السنين: “هدفنا إحياء ثقافتنا من جديد والوصول بالثقافة الأرمنية إلى جميع دول العالم”.
تتريان تحدث كذلك عن انعكاس هذه الخطوة على أبناء المكون الأرمني وردود فعله، التي تم رصدها؛ مؤكدا إن الانعكاس إيجابي وبشكل كبير على المكون الأرمني؛ ونوه إلى إن الأرمن في مدينة الحسكة كانوا فرحين بافتتاح دار الثقافة؛ وقد بدؤوا بإرسال أبنائهم إليها ليتعلموا ثقافتهم التي غابت عنهم عشرات السنين.
عماد تتريان تطرق في معرض حديثه للمجازر، التي طالت الشعب الأرمني من العثمانيين ومدى تأثيرها على ثقافتهم؛ حيث أكد أن الدولة العثمانية البائدة عمدت ليس فقط إلى الإبادة الجسدية للأرمن؛ بل عملت على طمس معالم حضارتهم ومحاولة الإجهاز على لغتهم وثقافتهم وهويتهم؛ إلا إن المرأة الأرمنية كان لها الدور الأبرز في التصدي لهذه الإبادة؛ حيث عملت الأم على تعليم أبنائها ثقافتها؛ وربطتهم بهويتهم وحضارتهم التاريخية.
المرأة حافظت على الثقافة الأرمنية من الاندثار
وأضاف تتريان، إن دور الأمهات عبر عشرات السنين حافظ بشكل كبير على الثقافة الأرمنية من الاندثار؛ فانتقلت اللغة والهوية وما تمثلانه لدى الأرمن من ارتباط بالجذور عبر الأجيال المتتالية بفعل الأمهات اللواتي أصررن على التمسك بإرث أبنائهن.
تتريان تحدث كذلك عن الفعاليات التي ستحتضنها الدار الثقافية للأرمن وآليات عملها؛ حيث أوضح: “تحتضن الدار الثقافية الأرمنية الفعاليات الثقافية الأرمنية، وإحياء الموسيقا الأرمنية والغناء الأرمني، كما ستعمل على إنتاج أفلام عن الإبادة، والظلم الذي مارسته الدولة العثمانية على الشعب الأرمني؛ والذي انتهى بإبادتهم، كما ستنتج الدار أعمالاً مسرحية تجسد مدى الظلم والمآسي التي تعرض لها الشعب الأرمني”.
تتريان أكد، أن حالة الغنى الثقافي في إقليم شمال وشرق سوريا لطالما شكلت جدارا حصينا يحمي ثقافة وهوية أبناء المكونات والشعوب.
إحياء ما انقرض من الثقافات
وأفاد إن الإدارة الذاتية الديمقراطية تعمل على دعم المكونات بالإمكانات كافة؛ للدفع نحو إحياء ما انقرض من هذه الثقافات بفعل ممارسات الإقصاء الثقافي التي قامت بها الدول الاستعمارية؛ وعلى رأسها الدولة العثمانية المحتلة.
وأضاف، إن الإدارة الذاتية ومن خلال التجربة الديمقراطية، ومظلة فكر الأمة الديمقراطية استطاعت تنمية الثقافات في المنطقة بشكل كبير؛ وذلك عبر منح الفرص والدعم وإفساح المجال للشعوب والمكونات كافة لإحياء ثقافتها.




