أبرم الأردن، الذي يُعدُّ من أكثر دول العالم افتقاراً للمياه، اتفاقاً بقيمة تناهز نحو خمسة مليارات دولار مع ائتلاف فرنسي، لتنفيذ مشروع ضخم لتحلية مياه البحر ونقلها من خليج العقبة أقصى الجنوب على البحر الأحمر إلى محافظات البلاد.
ومنحت الحكومة عقد تطوير مشروع تحلية ونقل المياه من مدينة العقبة إلى العاصمة عمّان والمعروف باسم “الناقل الوطني” إلى تحالف بقيادة شركتي ميريديام وسويز الفرنسيتان المتخصصتان في البنية التحية واستبدال الخدمات القديمة.
وسيتولى التحالف مسؤولية تمويل وتصميم وبناء وتشغيل وصيانة النظام على مدى فترة الامتياز التي تشمل مرحلة البناء، و26 عاماً من التشغيل وعند انتهاء فترة الامتياز ستعود ملكية المشروع إلى وزارة المياه والري بالكامل.
وتشكّل الخطوة استحقاقاً مفصلياً وضرورياً للسير في استكمال إجراءات الغلق المالي ليتم السير بعد ذلك بتنفيذ المشروع على أرض الواقع الهادف إلى تحلية 300 مليون متر مكعب من مياه البحر سنوياً من خليج العقبة وإيجاد حلول مستدامة لنقص المياه.
ولا يزال البلد يفتقر إلى استراتيجيات طويلة الأمد وذات فائدة مستدامة في مواجهة شح المياه المتزايد، فيما يوفر المُضي قدماً في تفعيل اتفاقية الطاقة مقابل المياه مع إسرائيل أهم الحلول الجذرية والدائمة التي تنتشل البلد من الفقر المائي.
وفي الأردن باعتباره ثاني أكبر دولة مضيفة للاجئين في العالم وتعرض لضغوط كبيرة على موارده الطبيعية ولاسيما المائية، تحول جزء كبير من السياسة الزراعية نحو الإدارة المستدامة لموارد المياه والسيادة الغذائية والصادرات الزراعية.
ومن المتوقع أن يستفيد قرابة أربعة ملايين نسمة في مختلف مدن الأردن، وهو من الدول الخمسة الأكثر افتقاراً للمياه في العالم، من المشروع الذي سيوفر خطوط أنابيب لنقل المياه بطول 445 كيلومتراً.
والمشروع، الذي من المقرر أن يبدأ تنفيذه قبل نهاية 2025 على أن ينجز في غضون أربعة أعوام مبادرة أعلنها الأردن قبل سنوات لبناء واحدة من أكبر محطات التحلية على مستوى العالم، وهو يعدُّ أكبر مشروع للبنية التحتية يتم بناؤه على الإطلاق في الشرق الأوسط.
وسيشمل نظاماً لمنظومة سحب مياه البحر على شاطئ خليج العقبة، وإقامة منشأة تحلية متطورة، لمعالجة مياه البحر وتحويل المياه المالحة إلى صالحة للشرب، ويتضمن محطات ضخ ذات سعة عالية ومكونات للطاقة المتجددة.
ونقلت وكالة الأنباء الأردنية الرسميّة عن وزير المياه والري رائد أبو السعود قوله إن “المشروع يُحرِز تقدماً ملموساً بمتابعة حكومية مستمرة كونه ضمن برنامج أولويات العمل الاقتصادية الحكومية بالشراكة مع القطاع الخاص”.
وتطرّق أثناء تعليقه على الاتفاقية إلى استكمال الإجراءات الفنية وصلاحيات الجهات المختلفة لسرعة تنفيذ المشروع للبدء بالإجراءات المتعلقة بالغلق المالي بالشراكة مع جميع الجهات المعنية والبدء بالإجراءات العملية الفنية والهندسية لتصميم وإنشاء مرافق المشروع، ولفت إلى إن “الناقل الوطني من المشاريع المستدامة لتمكين الأردن من تنفيذ خططه” وتحسين التزويد المائي لمعظم المناطق.
وشدد على أنه خيار لتأمين كميات مياه إضافية مستدامة سيعتمد بشكلٍ جزئي على الطاقة المتجددة تنفيذاً لاستراتيجية الطاقة الهادفة إلى توليد 31 في المئة من الكهرباء من مصادر بديلة بحلول 2030 لمواجهة العجز المائي وتغطية احتياجات الشرب في العقدين القادمين.
ويحصل الأردن حالياً على جزء من مياهه من إسرائيل، وبموجب اتفاق السلام الموقع عام 1994، يحصل البلد على 50 مليون متر مكعب سنوياً من مياه بحيرة طبريا، يتم نقلها عبر قناة الملك عبد الله مقابل سنت واحد لكل متر مكعب.
وفي تموز 2021، توصل الطرفان إلى اتفاق تزود بموجبه إسرائيل الأردن بنحو 50 مليون متر مكعب من المياه الإضافية المشتراة، بموجب اتفاقية موقّعة بينهما عام 2010، انبثقت عن اتفاقية 1994.
وكان رئيس الوزراء “جعفر حسان”، الذي أشرف على توقيع اتفاقية الشراكة، قد قال في كانون الأول الماضي، إن “قيمة الناقل الوطني الاستثمارية تبلغ أربع مليارات دينار (5.6 مليار دولار)”. وأوضح إن المشروع “مفتوح للاستثمارات المحلية والعربية والأجنبية”. وجاء هذا المشروع بعد تعثّر الاتفاق مع إسرائيل على مشروع ناقل البحرين الذي كان سيربط بين البحرين الأحمر والميت.
وتعثر مشروع مد قناة تربط البحر الأحمر بالبحر الميت الذي يحذر الخبراء من احتمال جفاف مياهه بحلول عام 2050 لسنوات بسبب جمود عملية السلام في المنطقة، وبحسب دراسة سابقة للبنك الدولي أجريت بمشاركة الأطراف الثلاثة، الأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية، فإن كلفة ذلك المشروع الكلية كانت ستقارب 11 مليار دولار.
وانتقد حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية للإخوان المسلمين وأبرز أحزاب المعارضة في الأردن حينها ذلك المشروع مندداً بـ”الإصرار على ربط مصالح استراتيجية في مجالي الطاقة والمياه” مع إسرائيل. ولطالما عانى الأردن الذي تشكّل الصحراء أكثر من 90 في المئة من أراضيه، شح المياه، ووفقاً لخبراء، مر البلد في صيف 2021 بواحدة من أشد حالات الجفاف في تاريخه.
وتشير التوقعات إلى أن هطول الأمطار قد ينخفض بمقدار الثلث تقريباً بحلول عام 2100، بينما من المتوقع أن يرتفع متوسط الحرارة بحوالي 4.5 درجات. وتظهر التقديرات أن القطاع الزراعي يستهلك 75 في المئة من إجمالي الاستهلاك المحلي للمياه، وهو من أكبر القطاعات المشغلة للاجئين السوريين والأردنيين الأقل حظاً.
وتقوم الزراعة بدور هام في اقتصادات الدول، حتى في ظل الأزمات الراهنة، والتي تسبب فيها تغير المناخ، ونقص الإمدادات بسبب الحرب في شرق أوروبا لإسهامه في تحقيق الأمن الغذائي والحد من البطالة، لكن الظروف المناخية وندرة المياه تتحكم في معدل إنتاج المنتجات الزراعية الأساسية وتؤثر على العاملين في القطاع اقتصادياً.
ويبلغ نصيب الفرد من استهلاك المياه في البلد، الذي يعتمد بشكلٍ مفرط على المساعدات الخارجية، أقل من 100 متر مكعب سنوياً، وهو أقل من المعدل العالمي لفقر المياه، وخلال السنوات القليلة الماضية، شهد الأردن جفافاً للسدود في محافظات الجنوب، كما هو الحال في معظم دول الشرق الأوسط، طاول سدود الوالة والموجب والتنور وشعيب وغيرها.




