حياة الرايس
روائية وشاعرة تونسية
منذ 1908 تنبأ الكاتب العالمي تولستوي أنّ: “هذا الاختراع الجديد الذي له يد تدور سوف يحدث ثورة في حياتنا. في حياة الكتّاب”. ثم أردف “إني أحب هذا الفن”.
واليوم وقد تغلغل الفلم في حياتنا الثقافية الحديثة بصفة كبيرة. (على أن هناك من الكتاب من لا يعترف بأن الفلم فن جديد تماما). خاصة منهم جراهام جرين الذي يعتبر السنيما هي شكل جديد من أشكال الرواية تهدف إلى ما تهدف إليه الرواية.
وهذا يجرنا للحديث عن الفلم والأدب وهو غرض هذا المقال. ولتقريب العلاقة بين الفلم والأدب يجب أن نستبعد المفهوم القائل: “إن الأدب هو فن لغوي يعتمد على الكلمات فحسب”. لأننا على هذا الأساس سنسقط مسرحيات شكسبير وبرناردشو وسوفوكليس.
وكما أن الأدب ليس فنا لغويا فحسب كذلك الفلم ليس فنا مرئيا فحسب، إذ ما قيمة صورة بلا معنى؟ فالصورة هي دائما وسيلة تفهم بها القصة التي تعتمد كأساس لشد المشاهد. ولكن هل الفلم أدب؟
تأثير الأدب في السنيما
إن أقرب فن أدبي إلى الفلم ليس المسرح كما يعتقد دائما. وإنما هو الرواية لأن كلا الفنين يرويان القصص والحكايات بأساليب مفتوحة. والدليل على ذلك أيضا عدد الروايات الني حولت إلى أفلام. والغزو الشامل للسنيما من طرف الأعمال الروائية. لأن مبدأ القصة قويّ جدا. حتى إن الصورة كثيرا ما تدخل في علاقة تنافس مع القصة التي تطغى عليها في كثير من الأحيان، بفضل الحبكة التي نسجتها وبفضل طريقة التشويق في شدّ المشاهد.
والدليل على تأثير الأدب في السنيما أيضا العدد الهائل للروائع العالمية، التي حولت إلى أفلام سواء منها العربية أو العالمية الأجنبية، فلنا من روايات جيل الرواد في السنيما العربية: محمد حسين هيكل ” زينب ” وطه حسين في: دعاء الكروان ” الحب الضائع ” وتوفيق الحكيم “يوميات نائب في الأرياف” يوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس “في بيتنا رجل” جودت السحار، نجيب محفوظ، يوسف إدريس، الطيب صالح …
وفي فرنسا لنا “جون كوكتو ” و”مارغريت دورا ” وألان روب غرييه في فلم “مارينباد” وغيرهم كجيمس جويس وديكز وفوكنر … لكن الكتاب هنا يختلفون في علاقتهم بالسنيما، فهناك من يؤلف وعينه على التجارة السنيمائية وهمهم الوحيد هو الحصول على المال.
ولكن العلاقة الأعمق والأقوى والأبقى هي الموجودة عند عدد كبير من الكتاب، لم تكن لهم صلة مباشرة بصناعة السنيما إلا قليلا ولكنهم تبنوا اتجاهات وتيارات وأساليب ولدت مع القلم منهم: البير كامو، أرنست همنغواي، جيمس جويس…
ونحن إذ نتطرق إلى هذه العلاقة بين الرواية والفلم ذلك أنهما أداتان خطيرتان لهما أبلغ الأثر على حياتنا الثقافية. يتجلى فيهما الصدى العميق لفلسفتنا ونظرتنا إلى العالم ولطريقتنا في رؤية الأشياء كما لا يغيب عنا أن هذين الفنين يتأثران بطريقتنا لرؤية العالم ويتغيران وفق ذلك.
مثال ذلك ما ظهر من اتجاهات واضحة في كل الفنون، التي تدعو نحو الابتعاد عن رؤية الوجود وتمثيله ككيان واحد، مستمر ومتناسق، وقد ظهر هذا الاتجاه في الرسم عند “سيزان” وفي الموسيقا عند “شونبرخ” وفي الأدب مع ألان روب غرييه، الذي رفض أن يكون “بلزاك” وأن يكرر شخصياته. إذ أن شخصيات بلزاك في نظره شخصيات متناسقة منسجمة مع نفسها، في حين أن الشخصية المثقفة مع الرؤيا الحديثة الآن هي المحتوية على التناقض، النافرة من كل انسجام، المنشطرة الممزقة.
إذاً السنيما الكاملة أيضا هي التي تسمح بالتغير وبتفهم التجزؤ الآتي للحقيقة التي يوحي بها النظر والسمع.
كما إن هذه النظرة الجديدة لرؤية العالم أثرت هي أيضا على رواية القصة التي لم تعد تعتمد على رؤية الأشياء بصفة خطية، متعاقبة، أحادية. بل أدخلت الأساليب التي يكون فيها التعاقب الزمني متقطعا متغيراً، مثل استعمال الفلاش باك. أو بدء الشاعر الفرنسي “جان كوكتو” الذي ساهم في إنجاز فلم “أورفي” الحكاية من نقطة معينة دون أن تكون هي بدايتها الزمانية والمكانية أو البدء من النهاية.
وقد سئل أحد النقاد السينمائيين: هل تعتقد أن الأفلام يجب أن تكون لها بداية ووسط ونهاية؟ أجاب:” نعم ولكن ليس ضرورة بهذا الترتيب”.
والكتاب والسينمائيون يحاولون الآن تحرير أعمالهم من القيود التي لا معنى لها مقتربين من طقس القصيدة أكثر فأكثر من التي لها بحر وإيقاع…وكثير من الروائيين المعاصرين الذين استمروا في كتابة الرواية النثرية قد تعمدوا الاقتراب من خصائص الشعر وأساليبه.
يمكن أن نذكر هنا بروست في: “البحث عن الزمن الضائع” وفوكنر: “الغضب والعنف”. جبرا إبراهيم جبرا في: “السفينة “.
وإذا طالب كثير من النقاد بسينما شعرية في مقابل السينما النثرية فلأن الشعر هو نبض الوجود وإيقاعه.
وليس المقصود بذلك التخلّي عن الأشكال الأدبيّة الأخرى، ولكن الحرص ألا تُخلى من خفقها الشعري ولا تخرج عن حرم الطقس الشعري.




