قامشلو/ دعاء يوسف ـ أثار استهداف الصحفيين “جيهان بلكين وناظم دشتان”، في إقليم شمال وشرق سوريا، أثناء تغطيتهما الإعلامية هجمات الاحتلال التركي على المنطقة، غضب الرأي العام والمؤسسات الإعلامية المحلية والعالمية، فقد أكدوا، بأن تكرار استهداف الاحتلال التركي للصحفيين محاولة طمس حقيقة انتهاكاته في المنطقة، وعاهدوا، بالسير على نهج شهداء الأعلام في إيصال الحقيقة للعالم.
قام إعلاميو إقليم شمال وشرق سوريا، بتغطية الأحداث، فسجّلوا مشاهد القتل والقصف والانتهاكات، التي جرت في ساحات الحروب ولحظات الهدوء النادرة من خلال الصور ومقاطع الفيديو والمنشورات على وسائل التواصل الافتراضي، مدركين أن الصور التي تركوها وراءهم، أو الكلمات التي لم يعرفوا أنها ستكون الأخيرة، سمحت بإلقاء نظرة خاطفة على مقاومة شعوب المنطقة وانتهاكات تركيا، وبذلك كانوا عرضة لهجمات وطائرات الاحتلال التركي.
قصة حياة الشهيدين “ناظم وجيهان”
ولد الصحفي “ناظم داشتان” في ناحية جيهادين في مدينة آكري بباكور كردستان عام 1992 في كنف أسرة وطنية، وقد واجه ظلم الأنظمة الاستبدادية ووحشيتها في سن مبكر، فقرر أن يناضل بنقل هذه الحقائق والجرائم للعالم من خلال منبر الإعلام، وقد دخل إلى روج آفا عام 2014 في الوقت الذي كانت تتعرض فيه المنطقة لهجمات مرتزقة داعش، فبدأ بنقل الأحداث في عفرين ثم كوباني، مبدياً المقاومة التاريخية لمقاتلي قوات سوريا الديمقراطية وشعوب المنطقة في وجه داعش، ونقلها إلى العالم.
وبعد عام من توثيق ونقل ما يجري في إقليم شمال وشرق سوريا، عاد في عام 2015 إلى باكور كردستان، ليتابع نضاله الإعلامي في ناحية سلوبي بشرنخ، ومن خلال قلمه وكاميرته، فضح حقيقة الدولة التركية الفاشية أمام العالم، لذلك أصدرت دولة الاحتلال التركي مذكرة اعتقال بحقه، وعلى الرغم من الضغوطات التي كانت توجه نحوه، لم يتخلَّ عن عمله.
وقد عاد إلى روج آفا عام 2016، مكرساً حياته لعمله، ولكشف فظاعة وبشاعة الاحتلال التركي في أجزاء كردستان، ونقلت عدسته المقاومة في عفرين وكوباني والرقة وكري سبي وشنكال وباشور كردستان، فقد ذهب إلى ساحات القتال حاملاً كاميرته لينقل الأحداث للعالم، وفي الثامن من كانون الأول الجاري هاجم الاحتلال التركي ومرتزقته جسر قرقوزاق وسد تشرين، فتوجّه إلى هناك.
أما المراسلة “جيهان بلكين”، التي توجهت إلى المكان ذاته لرصد الأحداث ونقلها للعالم، فقد نشأت في بمدينة مدياد في منطقة ميردين بباكور كردستان، في مرحلة كان نضال حركة حرية كردستان في ذروته في كردستان عام 1996.
ودرست في مدارس مدينة مدياد، وبعد أن أكملت المرحلة الثانوية درست الحقوق في مدينة آمد عام 2013، وهناك بدأت أولى مراحل نضالها في صفوف نضال الشعب الكردي وقضيته العادلة، ففي عام 2014، انخرطت في مجال الإعلام إلى جانب دراستها في كلية الحقوق، حيث بدأت بتوزيع الصحف التي كانت تصدر من الإعلام الحر، (أوزكور كوندم) و(آزاديا ولات).
واستمرت في عمل توزيع الصحف ثلاث سنوات متتالية، فقد كانت ترى في هذه الصحف الحقيقة، التي لم تنطق بها الصحافة التركية التي تنطق باسم الصلة وتهمش باقي شعوب تركيا، وبسبب عملها هذا تعرضت لمضايقات جمّة من السلطات، التي أغلقت صحيفة “آزاديا ولات” صيف عام 2016، إلا أن ذلك لم يثنِها عن نضالها.
ونتيجة للمضايقات التي تعرضت لها جيهان بلكين، وتأثرها بثورة 19 تموز 2012 في إقليم شمال وشرق سوريا، توجهت إلى روج آفا منتصف عام 2017، واتخذت مكانها في وكالة هاوار للأنباء، وفي الهجمات الأخيرة على سد تشرين توجهت جيهان لتغطية مجريات الأحداث هناك.
وعلى مدار أحد عشر يوماً أظهرت جيهان بلكين وناظم دشتان فظاعة ما ترتكبه الدولة التركية ومرتزقتها، من خلال إعداد الأخبار والصور والمشاهد التي التقطتها عدستهما، فقد قاما بتصوير آثار الهجمات التركية على سد تشرين وفي طريق العودة، استهدفت السيارة التي كانا يستقلانها ليستشهدا على إثرها بتاريخ 19 من كانون الأول عام 2024.
30 شهيداً إعلامياً
هذا ولم يكن هذا الاستهداف الأول للإعلاميين في إقليم شمال وشرق سوريا، إذ أصبحوا هدفاً للاحتلال التركي، لأنهم نقلوا من خلال عدساتهم حقيقة تركيا وجرائمها بحق شعوب المنطقة، وقد استهدفت تركيا 13 إعلامياً أثناء تغطيتهم الإخبارية لمجازرها في مناطق مختلفة.
وهم “حقي باكوك، وريوان كينجو، وشيلان بوتان، في جبل قرجوخ بمنطقة ديرك في 25 نيسان 2017 ، وأيلول نوهلات استشهدت في 20 تشرين الثاني 2016 في الشهباء، ورستم جيلو استشهد في 11 تشرين الثاني 2016، في الشهباء، وتولهدان ولات استشهدت بتاريخ 22 كانون الثاني 2018 في عفرين، وسعد محمد سعيد شيخموس الأحمد استشهد 2019 في سري كانيه، ومحمد حسين رشو استشهد في سري كانيه عام 2019 ، وديلان أولماز استشهدت في تل أبيض/ كري سبي عام 2019، وعصام عبد الله استشهد عام 2022، في قرية تقل بقل التابعة لمدينة ديرك، وزيزس سينكع استشهد في منطقة تل تمر عام 2019، كما استشهد نجم الدين فيصل الحاج سنان عامل في قناة (JIN TN) على طريق قامشلو عامودا في عام 2023، واستشهد وداد أردمجي مخرج أفلام وثائقية تعرض منزله لقصف بالطائرات الحربية التركية في سري كانية 2019”.
بالإضافة إلى 15 صحفياً أخر استشهدوا أثناء تغطيتهم الإعلامية للتصدي لمرتزقة داعش في مناطق مختلفة من إقليم شمال وشرق سوريا.
فالاحتلال التركي يستهدف ويقتل الصحفيين دون محاسبة قانونية، على الرغم من وجود العديد من القوانين التي تحفظ حقوق الصحفيين أثناء الحروب، ومنها المادة 79 من البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقية جنيف 1949 لحماية المدنيين بالنزاعات العسكرية نصت على أن الصحفيين المدنيين الذين يؤدون مهماتهم في مناطق النزاعات المسلحة يجب احترامهم ومعاملتهم كمدنيين، وحمايتهم من كل شكل من أشكال الهجوم المتعمد.
وتضمنت المادة 34 من الفصل العاشر في القواعد العرفية للقانون الدولي 2005 “يجب احترام وحماية الصحفيين المدنيين العاملين في مهام مهنية بمناطق نزاع مسلح ما داموا لا يقومون بجهود مباشرة في الأعمال العدائية”، كما نص القرار 1738 لمجلس الأمن الدولي على إدانة الهجمات المتعمدة ضد الصحفيين وموظفي وسائل الإعلام والأفراد المرتبطين بهم أثناء النزاعات المسلحة، واعتبار المنشآت والمعدات الخاصة بوسائل الإعلام أعيانا مدنية لا يجوز أن تكون هدفا لأي هجمات أو أعمال انتقامية.
احتجاجات واسعة
وفي ظل الاستهدافات المتكررة بحق الإعلاميين، احتجت جهات إعلامية واتحادات محلية عديدة في إقليم شمال وشرق سوريا، وعدت هذه الهجمات تأكيداً صريحاً من تركيا على أنها من الكلمة الحرة، هذا وقد أرسل الصحفيون مقاطع فيديو مصورة لمواقع الاشتباكات وآثار هجمات الاحتلال التركي على سد تشرين قبل استشهادهما بساعات.
فيما أدانت منسقية مؤتمر ستار في لبنان الاستهداف المتكرر للصحفيين وعدته استهدافاً للكلمة الحرة ومحاولة لإسكات الأصوات، التي تنقل الحقيقة وتفضح الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها الاحتلال التركي بحق شعوب المنطقة.
وقالت منظمة “DİSK Basın-İş” التابعة للاتحاد الدولي للصحفيين في تركيا: “من غير المقبول استهداف الصحفيين الذين ينقلون الحقيقة إلى الجمهور على حساب حياتهم في مناطق الصراع. نحن ندين الهجمات التي تستهدف الصحفيين. يجب محاسبة المسؤولين عن مقتل الصحفيين في مناطق الحرب في فلسطين وسوريا أمام العدالة”.
هذا وقد خرج مجموعة من الصحفيين وأهالي باكور كردستان احتجاجاً على الهجوم التركي الوحشي الذي أدى إلى استشهاد الصحفيين الكرديين ناظم داشتان وجيهان بلكين، وقوبلت هذه الاحتجاجات باعتداء الشرطة التركية الفاشية على حشود الصحفيين والسياسيين في مدينة وان بشمال كردستان، واعتقلت ما لا يقل عن 39 شخصاً، بينهم عشرة صحفيين.
محاولة لإخفاء جرائمها في المنطقة
وبدورهن أكدت الإعلاميات في إقليم شمال وشرق سوريا أن الاحتلال التركي يقوم باعتداء صارخ على حرية الصحافة، والإنسانية.
إذ بينت مراسلة قناة روناهي “جودي علي“، بأن الشهيد “ناظم داشتان” كان معلماً وقدوةً يسير على نهجه الكثير من الإعلاميين في قناة روناهي، والوسائل الإعلامية المحلية الأخرى، كالشهيد سيد أفران: “لقد كرس نفسه لنقل صوت الحقيقة ليس في روج آفا فقط بل في كردستان كاملة، وقد كان من السباقين لتصوير وتدوين الحقيقة في الجبهات وساحات القتال، دون خوف، ليتحول قدوة نسير على نهجه وطريقه في إيصال حقيقة الاحتلال التركي للعالم”.
وأشارت، إلى أن “الإعلام في إقليم شمال وشرق سوريا كان قادراً على كشف الوجه الحقيقي للاحتلال التركي في المنطقة، واستهداف تركيا الصحفيين محاولة لطمس حقيقتها التي كشفها رفاقنا ومراسلونا، عبر التقارير والفيديوهات التي يعدونها”.
الكلمة حرة لا تموت
كما أشارت، بدورها مراسلة إذاعة ستار FM “فاطمة عباس“، إلى أن دولة الاحتلال التركي، زادت هجماتها في انشغال العالم بسقوط الأسد ونظام البعث وبناء حكومة جديدة في سوريا، فيما يقوم الإعلام بدوره بنقل هذه الانتهاكات والهجمات البرية والجوية للعالم”.
وتابعت: “فلم يكتف المحتل التركي بتدمير البنية التحتية للمنطقة، بل عمل على قتل ونهب السكان المحليين في المناطق التي يحتلها”.
وأضافت: “لذلك، فالاحتلال التركي يسعى لإسكات صوت الحقيقة وإخفاء جرائمها بحق شعوب المنطقة، وخاصة الشعب الكردي”.
ودعت مراسلة إذاعة ستار FM “فاطمة عباس”، في ختام حديثها المجتمع الدولي، للتدخل الفوري واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الصحفيين والصحفيات، وضمان سلامتهم أثناء تأدية واجبهم المهني، مؤكدةً، بأن “الأقلام الحرة لا تموت، وأصوات الحقيقة لا يمكن قمعها أو وأدها مهما حاول الاحتلال، وعلينا أن نستمر على طريقهم ونكون صوتهم النابض بالحقيقة”.




