No Result
View All Result
د. علي أبو الخير_
واحد وخمسون عاما مضى على وفاة الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، فقد توفي يوم 28 تشرين
الأول من عام 1973، كان الدكتور طه حسين من أهم أسس التنوير في القرن العشرين، منذ أن أصدر كتابه الأشهر “في الشعر الجاهلي”، عام 1926 والذي قوبل بهجوم وضراوة من قبل شيوخ الأزهر، وضغط الأزهر في زمن الجمود على الحكومة والبرلمان، وصدر قرار مجلس الوزراء بفصل طه حسين من الجامعة، وفى هذه المعركة أطلق طه حسين العنان لقلمه ضد الأزهر، ثم عاد الوفاق بين العميد والأزهر، وظل طه حسين في طريقه التنويري، حتى وفاته.
لقد أعطى طه حسين الجرأة للآخرين، في كتابات النقد والتاريخ، مثل علي عبد الرازق، الذي نشر كتاب “الإسلام وأصول الحكم” وزكي نجيب محمود “المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري” وحسين أحمد أمين “دليل المسلم الحزين” وصولا إلى حسن حنفي ومحمد أركون وبرهان غليون وغيرهم.
حق الخطأ والدفاع عن حرية الرأي
دافع طه حسين عن الشيخ “عبد الحميد بخيت”، في جريدة الجمهورية المصرية عام 1955، تحت عنوان مقال “حق الخطأ”، عندما أطلق الشيخ بخيت فتوى إباحة الإفطار في نهار رمضان في ظروف معينة، كان الدكتور طه يرى أن الإنسان يملك حق الخطأ، لأنه في النهاية إنسان: “ويلٌ لأمة يـُـعاقب فيها الناس على حق الخطأ، فتلك أمة لا تعرف الحرية ولا تــُـقـدّرها، ولا تقيم أمرها على القصد والاعتدال، وإنما تــُـقيمه على الفتنة والغرور، وأي فتنة أشد من معاقبة الناس على أنهم رؤوا رأيـًـا لا يـُـعجب الرؤساء”.
وظل طه حسين يدافع عن قيم العدل والحرية، وإتاحة الفرصة للتعرف على كل المذاهب والأفكار والمدارس، وهو ما فعله في كتبه: “الفتنة الكبرى بجزأيه عثمان وعلي وبنوه” – حديث الأربعاء – مع أبي العلاء في سجنه – على هامش السيرة – الأيام – مستقبل الثقافة في مصر، وغيرها من كتب تهتم بالإنسان على اختلاف أديانه وأعراقه.
مجانية التعليم والديمقراطية
أهدى طه حسين للمستضعفين كتابه “المعذبون في الأرض إليهم”، فقال في الإهداء “إلى الذين يحرّقهم الشوق إلى العدل، وإلى الذين يؤرقهم الخوف من العدل… إلى الذين يجدون ما لا ينفقون، وإلى الذين لا يجدون ما ينفقون، أسوق هذا الحديث”، ثم خطا الخطوة الكبرى عندما طالب بأن يكون التعليم بالمجان، فقال: “إن الله لم يخلق الماء ليشربه فريق من الناس دون فريق، والله لم يخلق الهواء ليستنشقه فريق من الناس دون فريق، فليكن التعليم كالماء والهواء”، وحين تولى طه حسين وزارة المعارف (التعليم) عام 1950، أعطى المثل، حين يمارس المثقف قناعاته ونضاله الفكري والتنويري، فكان أول قرار يتخذه هو مجانية التعليم ما قبل الجامعي.
كان طه حسين يرى التعليم من أهم شروط إصلاح المجتمعات، وحذّر من أن بعض الأمم المتقدمة تفقد استقلالها، لأنها ليس لديها تعليم جيد، ولا جيش قوي يحمي الاستقلال، كما كان يرى أن من ضمن شروط إصلاح التعليم هو الديمقراطية، حيث يربط طه حسين بين الديمقراطية وبين الاستجابة لشروط الحياة الكريمة، قال في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر”: “يجب أن تضمن الديمقراطية للناس ما يقيم أودهم، ويعصمهم من عادية الجوع، ولكن يجب أن تضمن لهم بعد ذلك القدرة على أن يصلحوا أمرهم، ويتجاوزوا ما يقيم الأود، إلى ما يتيح الاستمتاع بما أباح الله للناس من لذة ونعيم الحياة”.
وقد شقّ طريقه في هذا الدرب حتى النهاية، رغم فتاوى التكفير، التي لاحقته حيا وميّتا، حيث مازال السلفيون والدواعش يعتقدون إنه عاش ومات كافرا، لمجرد أنه نقد التراث الإسلامي، ودافع عن الشيعة والصوفية والمعتزلة.
إن كتابات الدكتور طه المتعلقة بالتاريخ الإسلامي ورجاله، تعد من أبرز الإسلاميات التي يرجع إليها القراء والباحثون على السواء، وهي التي وصفها الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور أحمد الطيب، بأنها حافلة باحترام النبي والصحابة والتراث الإسلامي، ولكن التكفير الوهابي للدكتور طه مازال ممتدا.
في النهاية يبقى من فكر العميد أنه أباح الأخذ من الثقافة الأوروبية، من موقع الثقة بالنفس، لا من موقع رد الفعل، ومن موقع الفخر بالحضارة الإسلامية، وحيث لا تكتمل رسالة التنوير إلا بمد جسور مع الفكر العالمي في صيغتيه التاريخية والحديثة، عبر تعريب روائع الفكر الإنساني، فلا مستقبل لأمة تغمض عينيها عن ثمرات الفكر والأدب من كل الثقافات، ويعود إلى تأكيد هذا المبدأ في كتابه المهم المذكور دائما “مستقبل الثقافة في مصر”: “هو أن نأخذ من الحضارة الغربية خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يُحب منها وما يُكره وما يُحمد منها وما يُعاب”.
لكن طه حسين في الوقت نفسه لم يقبل بفك الرابطة مع العالمين العربي والإسلامي، فقد ترأّس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وهو الذي دافع عن الهوية المصرية والعروبة والقيم الإسلامية، فهو الذي كتب “مرآة الإسلام” و”الوعد الحق”، وغيرهما من كتب الإسلاميات، التي يمكن الأخذ منها، عندما نريد تجديد الخطاب الديني والثقافي، وهو نتاج حضاري، يؤخذ منه أكثر مما يُعرض عنه، رحم الله الأستاذ العميد، ورحمنا معه…
No Result
View All Result