أنواع الوحي
إن أعظم الأشكال، التي قد يقف عندها الإنسان المثقف العالم المتتبع لشؤون الرسالات والأديان والمعتقدات، هي صله العبد بالإله، وخصوصاً نوعية الاتصال بين من يمثل الإله من المرسلين والأنبياء وبين الرب والمعبود، الذي يختلف تصوره ووجوده وكيفيته وماهيته، حيث أن الوحي يمثل حلقة الوصل الغيبية بين الإله والرسول، لذلك أتى بأنواع وأشكال متعددة في الشرائع والمعتقدات والكتب السماوية وفي المدة الزمنية، التي عاشها الأنبياء والمرسلون، ونستطيع أن نستشف ذلك الوحي من تتبع حياة البشر والإنسان على وجه الأرض، حيث أنه بدا بالحديث المباشر مع آدم الذي هو أبو البشر، والنبي الأول الموحى إليه يناديه الله سبحانه وتعالى فيقول: “وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ”، ثم يبين الله سبحانه وتعالى بعد ذلك أنه استعمل أنواعاً وطرقاً أخرى من الوحي فقال في الآية الكريمة: “وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ”، أي أن الله سبحانه وتعالى استخدم الوحي بالإلقاء في عقل وفكر الأنبياء من دون واسطة، وهذا ما أتى في الحديث النبوي حينما كان على دابته، فنزلت الآية فكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يتصبب عرقاً وقد أغمض عينيه، ثم أنه قال لأصحابه: “قد أتاني الوحي”، أي لم يكن عن طريق جبريل بل كان حالة خاصة تأتيه فيقول: يأتيني كصلصلة الجرس يلقى إلي في روعي، ثم يذهب فأفهم منه ما يريد، والنوع الآخر أن يكلمه الله من وراء حجاب، كما فعل مع موسى عليه الصلاة والسلام، فإن موسى طلب أن يرى ربه، ولكنه قال له: “لن تراني”، وكان يكلمه من غير رسول، أو ملاك كجبريل أو غيره، لذلك سمي موسى كليم الله ووصفه الله سبحانه وتعالى بهذه الخاصة في قوله: “تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ “، نعلم من ذلك أن الكلام المباشر ولو أنه من وراء حجاب هو تفضيل، وكذلك النوع الآخر التأييد بروح القدس، حيث أن عيسى كان يتكلم بلسان روح القدس، لذلك لم يقل أوحى إلي ربي، فكلماته كانت كلمات الروح القدس، وأما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقط كلمه الله سبحانه وتعالى مشافهة ليلة الإسراء والمعراج، وكان جبريل يأتيه بالآيات حتى إنه في بعض الأحيان كان يأتي على هيئه رجل يراه حتى الصحابة، ولكن لا يعرفون أنه جبريل حتى ينصرف كما في الحديث المشهور عن الإسلام والإيمان والإحسان، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم، بين لهم أن ذلك الرجل كان جبريل فقال: “هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم”.




