No Result
View All Result
الحسكة/ محمد حمود ـ
تواصل صحيفة “روناهي” نشر سلسلة “صناعة الوهم”، التي تستعرض العديد من الأوهام المنتشرة في المجتمع، هذه المعتقدات غير المبنية على أسس علمية، انتشرت ضمن مجموعات كبيرة من الناس، وتحولت مع مرور الوقت إلى مقدسات ومسلمات، حتى أصبحت هذه المجموعات أسيرة لهذه المعتقدات أو تلك.
نتحدث اليوم عن قراءة “الطالع”، وهي مسألة الإيمان بإمكانية التنبؤ بالمستقبل، وقراءة علامات حلول الأحداث، وقد اعتقد الناس في العـصور القديمة بأن الطوالع هي رسائل مقدسة من الآلهة.
وتتنوع دراسة الطوالع بين حالات طبيعية مثل “الخسوف والكسوف والأنواء الطبيعية والولادات الشاذة للحيوانات والبشـر”، أو بالتـضحية بالحيوانات من مختصين مثل “الكهنة، أو العرافين”، الذين استخدموا أكبدة الحيوانات المقربة لمخاطبة الآلهة من أجل معرفة الأجوبة بنعم أو لا، أم محبب أو غير محبب.
بدايات تاريخية
قراءة الطوالع تعود، في أقدم تجلياتها، إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، حيث اسـتخدمت بكثـرة من قبل الملوك الآشوريين، وخاصةً، في عهد الملك الآشوري “آسرحدون”، وأبنه الملك “آشوربانيبال” في القرن السابع قبل الميلاد.
وقد استخدمت ثلاث طرق رئيسية في دراسـة الطـالع، وهي “معاينة الكبد، ومعاينة الماء، ومعاينة الدخان”، حيث تتم معاينة الكـبد من خلال ملاحظة الاختلافات في مظهر أحشـاء للأغـنام، التي غالباً ما تستخدم للخدمات الملكية.
فيما عرف الإغريق الطوالع من خلال النسور، التي اعتبروها طيور نبوية، حيث يتم ملاحظة صرخات الطير واتجاه تحليقه، إذ يحاول المبشرون التنبؤ بالمستقبل، وكما اعتقدوا أن الرعد والصواعق رسائل أرسلت من زيوس، واعتقد اليونانيون بأن الطوالع تعكس إرادة الآلهة وأوامرهم وردة أفعالهم لمساعي الإنسان. فطيران النسر نحو اليسار هو علامة طالع سلبية، أما صراخ الطائر الحزين، أو حدوث البرق في مواقع محددة يعتبران علاماتين ايجابيتين للطالع.
وفي روما القديمة، اعتمدت الديانة على طريقتين مميزتين لقراءة الطوالع، الأولى عن طريق المبشرين الذين يتنبؤون بحركة الطيور، والكهنة الذين استخدموا القرابين للحصول على الأحشاء الضرورية لإجراء التنبؤ، فالرومان على عكس اليونانيين اعتبروا الإشارات على اليسار علامات خير ومرغوبة والإشارات على اليمين إشارات سلبية ومبغوضة.
أما في مجال التنجيم، فقد اعتبر الخسوف والكسوف وظهور المذنبات، إشارات إلى ولادة أو وفاة نبيل وأحداث مهمة في تاريخ المجتمعات.
اختلاف الأدوات في العصر الحديث
وفي العصر الحالي، برزت العديد من الأدوات لقراءة الطالع، ومنها “قراءة الكف، وقراءة الفنجان، ورمي الودع والحجارة”، إضافة إلى الأبراج والتنجيم التبصير، وجميع مدار هذه الأدوات هو كشف النقاب عن المستقبل، والحديث عن هذا المستقبل يطول عبر التاريخ، لطالما كان الإنسان شغوفاً بمعرفة مستقبله.
“جودي أسعد” فتاة من الحسكة، تؤكد أن ظاهرة قراءة الطالع منتشرة في الأسر المتقدمة، والتي تعتبر نفسها متحضرة، لكن وفق أداتين من أدوات معرفة المستقبل المزعومة، وهما قراءة الفنجان والأبراج.
وقد أشارت جودي: “تنتشر قراءة الفنجان، والكف أحياناً، في أوساط النساء من ربات البيوت غير المتعلمات، ويعقدن لأجل هذه الممارسة الجلسات الصباحية أو المسائية، حيث تجتمع مجموعة من الجارات عند إحداهن، على دعوة لاحتساء القهوة، ومع انتهاء شرب القهوة تبدأ إحداهن بقراءة فناجين الموجودات”.
ونوهت “جودي أسعد”، إلى إن العديد من النساء في هذه الجلسات يعقدن الآمال على ما يتم إلقاؤه عليهن من كلام يكشف وفق زعم القارئة تفاصيل عامة عن المستقبل، مشيرةً، إلى إن هذه القارئة، أو تلك تتجنب التفاصيل الدقيقة في وصف معالم المستقبل، بل تكتفي بحديث عام يحمل العديد من التفسيرات.
أما الشكل الآخر المنتشر في ذهنية العديد من الأفراد، فهو المتابعة الحثيثة للأبراج التي كانت فيما مضى تصدرها الصحف والمجلات الدورية، واليوم انتشرت قراءة الأبراج على الفضائيات ومواقع الإنترنت، بل إن مواقع كاملة قد خصصت لهذا الأمر، عبر تزويد المتلقين بسلسلة متصلة بشكل يومي بقراءة الأبراج.
وحول أضرار هذه الظاهرة، قالت جودي أسعد: “إن الأشخاص الذين يؤمنون بالتنجيم، أي ما سيكتبه لهم بشكل عشوائي قارئو الطالع، ويعتقدون أنه سينطبق عليهم، فبطبيعة الحال سيكون التنجيم جزءًا من اتخاذ القرار لديهم في العلاقات، والعمل، والأمور الشخصية، مما يخلف كوارث كبيرة تنعكس بشكل يشبه المرض على المجتمع”.
الإعلام.. وأثره في انتشار الظاهرة
ومن جانبه، يرى “محمد داوي“، وهو أحد أبناء الحسكة، أن الإعلام ووسائل التواصل ساهم بجانب منه في انتشار الأوهام القائمة على قراءة الطالع، بل ذهبت بعض الفضائيات إلى تخصيص برامج دورية، صباحية غالباً، لقراءة
المستقبل عبر الأبراج والتوقعات، كما تعقد هذه الفضائيات جلسات مطولة لقراءة توقعات الأعوام المقبلة في الأيام الأخيرة من كل عام”.
وأشار إلى، إن هذا الأمر أدى إلى ظهور العديد من الشخصيات الإعلامية التي ارتبط اسمها بقراءة التوقعات على مستوى السياسات الدولية والإقليمية، الأمر الذي أدى إلى تعلق الملايين من البشر بهذه التوقعات، وابتعادهم عن العقلانية في التحليل والتقييم ودراسة التطورات.
وأضاف: “من هنا عمل الإعلام من خلال هذه الأدوات المشبوهة على تسطيح فكر المتلقين”، منوهاً، إلى أن قراءة الطالع كانت منتشرة في المجتمعات على نطاق ضيق سابقاً، اقتصر على دور “البصارة وقارئة الفأل”، التي كانت تجوب البيوت طارحة مجموعة من الترهات التي تحاول من خلالها توجيه مسار حياة هذه الأسرة أو تلك مقابل حفنة من المال.
فيما نوه محمد داوي، في ختام حديثه: “تؤثر هذه الظواهر على عقلية التفكير الجماعي، وهذا أكبر تهديد للمجتمع، فكلما تقبل الناس فكرة ما، ازدادت المعتقدات الراسخة في ثقافتهم، كما يحجب انتشار هذه الظواهر وجود العلوم الصحيحة التجريبية”.
No Result
View All Result