No Result
View All Result
ـ ما سبب إيلاء الأهمية لتركيا خلال القرن الـ ٢٠؟
’ بعد الأزمة السوريّة 2011 تحوّلت تركيا إلى ساحة لتدريب داعش والمجموعات المرتزقة.
ـ بدلاً من “صفر مشاكل” فقد وضع أردوغان تركيا أمام “ألف مشكلة” ولم يُبقِ لها أيّ وزن ولا مكانة.
ـ متى برزت خلافات أردوغان مع أمريكا والقوى الغربية؟
ـ للكرد مكانة في الحكم في الشرق الأوسط الجديد مستقبلاً.
ـ الشرق الأوسط الجديد واستراتيجية توازن القوى.
ـ لا تستطيع تركيا القيام بحملة عسكرية في العمق العراقي دون موافقة أمريكا أو إيران.
ـ الخلاصة.
تركيا تفقد موقعها الجيوستراتيجي يوماً بعد يوم في العقدين الأخيرين من القرن الحادي والعشرين. تُرى؛ ما هي الأسباب الكامنة وراء ذلك؟ لماذا لم تعد أمريكا والدول الغربية وكذلك إسرائيل تولي تلك الأهمية لتركيا اليوم مثلما كانت تفعل في القرن العشرين، بالرغم من إنّ تركيا كانت تُعتبر الطفلة المدلّلة لديهم؟ هل يمكن اعتبار مواقف وسياسات حزب العدالة والتنمية التوسّعية ورئيسه أردوغان من أسباب فقدان هذا الموقع الجيوستراتيجي أم أنّ هناك أسبابًا أخرى تقف خلف ذلك؟ تُرى؛ ما هي التغيّرات التي حدثت ما بين القرنين العشرين والحادي والعشرين؟ هذا ما سنحلّله ونقيّمه في دراستنا التحليلية هذه.
بما أنّ تركيا تربط أوروبا مع آسيا، وتشكّل معبراً لنقل مصادر الطاقة إلى أوروبا، كما تُعتبر دولة نموذجية يُحتذى بها بحسب مزاعم الدول الغربية، برزت الأهمية الجيواقتصادية لتركيا خلال القرن الماضي، وسداً أمام التوسع السوفيتي – الروسي في المنطقة، وهذا ما جعلها وعلى مدار القرن الماضي تحافظ على موقعها الجيوسياسي والجيواستراتيجي، وكذلك برز دورها كلاعب أساسي يمكن الاعتماد عليه في نشر الثقافة الغربية في المنطقة.
في ظلّ النقاشات الدائرة حول افتتاح ممرّ اقتصادي ما بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، قد تتضاءل فرص تركيا للحفاظ على موقعها الجيواستراتيجي في القرن الحادي والعشرين، حيث أعلن الأمير السعودي محمد بن سلمان في أيلول ٢٠٢٣ وخلال اجتماع قمة الـ 20 في الهند عن هذا المشروع بشكلٍ رسمي (India-Middle East-Europe Economic corridor (IMEC)). هذا الممر يبدأ من الهند ويمرّ عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل، ومن إسرائيل عبر البحر يصل إلى أوروبا. لقد تم إقصاء تركيا وإيران عن هذا المشروع، والحرب التي تدور رحاها في غزّة تندرج في إطار هذا المشروع، وعلى صلة بهذا الموضوع فقد صرّح الرئيس التركي أردوغان أثناء إعلان هذا المشروع أنّه من غير الممكن نجاحها بدوننا، كما أنّ صَلاة خالد مشعل في المساجد التركية يوم ٧ تشرين الأول أثناء هجوم حماس على إسرائيل تحمل في طياتها معانٍ كثيرة. إذا ما تمّ افتتاح هذا الممرّ بين إسرائيل والدول العربية، فهذا يعني وصول إسرائيل والدول العربية في موضوع المصالحة إلى مستوى متقدّم، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه المصالحة لا تخدم المصالح الإيرانية أيضًا، لأنّ مصالحة إسرائيل مع الدول العربية تعني فقدان إيران للورقة الفلسطينية، وهو ما يُزعج إيران وتركيا معاً ويسبّب لهما القلق.
عندما يتمعّن المرء في مواقف وتعامل القوى الغربية وأمريكا مع تركيا، وخصوصًا في الأزمة السورية بعد ٢٠١١ سوف يلاحظ دون عناء أنّ تلك الأهمية التي كانت تمنحها الدول الآنفة الذكر لتركيا، قد تراجعت إلى أدنى حدٍ في العقد الثاني من القرن الـ ٢١. دعك عن العلاقات القوية والدعم الذي كانت تحظى به تركيا من تلك الدول، ففي السنوات الأخيرة فُتِحت فجوة وشرخ كبير بين تركيا والدول التي ذكرناها، ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل وصلت إلى مستوى البدء بفرض العقوبات على تركيا أحياناً وإعلان المقاطعة أحياناً أخرى.
ولمعرفة التغيّرات التي حدثت وتحصل اليوم لا بدّ من العودة قليلاً إلى بدايات القرن الـ ٢٠ وتأسيس الجمهورية التركيّة، ومعرفة ظروف تلك المرحلة، والدور الذي أُنيط به لتركيا.
ما سبب إيلاء الأهمية لتركيا خلال القرن الـ ٢٠؟
كان للاتّحاد والترقّي التي كان الكثير من أعضائها ذوي أصول يهودية دور بارز في تأسيس الجمهورية التركية، حيث لعب اللوبي اليهودي دورًا كبيرًا في تأسيس الجمهورية، كما قد تمّ تكليف الجمهورية التركية حديثة العهد ببعض المهام والواجبات، ومن تلك المهام تحمّل مسؤولية حماية أمن إسرائيل التي سيتمّ تأسيسها لاحقًا، وليس خافياً على أحد أنّ تركيا حينئذٍ كانت في مقدّمة الدول التي اعترفت بإسرائيل وأول دول إسلامية، وبعدها لم تبخل إسرائيل بتقديم الدعم المادّي والمعنوي لتركيا، بدءاً من تقديم الأسلحة المتطوّرة، مروراً بالمشورة العسكرية والاستخباراتية وغيرها. وجديرٌ بالذكر أنّ إسرائيل قد قدّمت دعماً كبيراً لتركيا في حربها ضد حزب العمال الكردستاني طيلة أربعة عقود، كما لم يُخفِ المسؤولون الإسرائيليون تورّطهم في اعتقال القائد عبد الله أوجلان من خلال عملية كونية اشتركت فيها عدّة دول وعلى رأسها أمريكا.
كانت إسرائيل تخوض حرباً مع العرب، لذا كان لا بدّ من وجود بعض القوى والدول التي تحمي إسرائيل، وتُعتبَر كلّ من تركيا وإيران الشاه مثالاً على حماية إسرائيل وأمنها. لكن؛ في السنوات الأخيرة تطوّرت العلاقات الإسرائيلية مع العرب بشكلٍ إيجابي، حيث افتُتحَت السفارات والقنصليات الإسرائيلية في الكثير من الدول العربية، ومع إعلان مشروع الممرّ الاقتصادي ٢٠٢٣ الذي يبدأ من الهند ويضمّ كلًّا من السعودية والإمارات والأردن وإسرائيل ويصل إلى أوروبا، بلغت العلاقات مستوىً متطوّراً لتطبيع العرب مع إسرائيل، إلّا أنّ الحرب في غزّة التي كان لكلّ من إيران وتركيا يداً فيها، قد ساهمت في خفض وتيرة هذه المصالحة قليلًا.
نعلم أنّ الجمهورية التركية قد تأسّست من قبل قوات الحلفاء التي انتصرت في الحرب العالمية الأولى في ذلك الحين (بريطانيا وحلفائها) على مبدأ إبادة وإنكار الكرد والقوميات الأخرى كالأرمن والسريان واليونان وغيرهم. استلهمت الجمهورية التركية مبادئها من الثورة الفرنسية، واتّخذت الثقافة والقيم الغربية أساسًا لها، وكانت العَلمانية من المبادئ الأساسية للدولة، حيث تمّ تجاهل الأسس والثقافة الإسلامية التي اعتمدت عليها الإمبراطورية العثمانية.
هذه الدولة حديثة العهد كانت تعمل لخدمة سياسات وأجندات القوى الغربية سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وكانت بمثابة بوّابة لفتح الشرق الأوسط آنذاك، هذه الدولة المبنية على ثقافة وقيم الدول الغربية، كانت تُعتبَر من الدول الحديثة ونموذجًا يُفترَض أن يعممّ في المنطقة. وكان من أبرز واجبات ومسؤوليات الجمهورية التركية المبنية حديثًا -كما ذكرنا آنفاً- في المرتبة الأولى حماية أمن إسرائيل، ومنع تمدّد الفكر الاشتراكي الذي تقوده روسيا السوفيتية في الشرق الأوسط في المرتبة الثانية، وفي المرتبة الثالثة تمرير أجندات وسياسات القوى الغربية التي تُحاك ضدّ المنطقة.
فخلال القرن الـ 20 وخاصة بعد ثورة أكتوبر والحرب العالمية الأولى والثانية، كان من أبرز ما يقلق قوى الهيمنة العالمية هي روسيا (الاتحاد السوفياتي سابقا)، وانتشار الأفكار الاشتراكية والشيوعية في بلدان الشرق الأوسط، لكن وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتحوّله إلى دولة رأسمالية، وإدارة العالم كقطب واحد من قبل أمريكا، اختلف الوضع؛ حيث تحوّلت الخلافات الفكرية والأيديولوجية إلى خلافات حول الثروات وتقاسم الهيمنة على العالم.
لم تبخل إسرائيل وأمريكا والقوى الغربية بتقديم الدعم المادي والمعنوي المتواصل لتركيا منذ تأسيسها وحتى قُبيل الأزمة السوريّة، كما غضّت الأطراف -آنفة الذكر- الطَّرْفَ عن السياسات والانتهاكات والمجازر التي ارتكبتها تركيا بحق مواطنيها الكرد والشعوب الأخرى، بالمختصر المفيد: كانت المصالح المتبادَلة بين تركيا والأطراف الأخرى سبباً لإيلاء هذا القدر من الاهتمام لتركيا.
إنّ تسمية القوى الغربية للجمهورية باسم الأتراك لم يأتِ من فراغ، فقد نبشت تلك القوى في التاريخ كثيرًا، وكانت تدرك أنّ الأتراك سيقدّمون لها خدمات جليّة، كما أنّ تلك القوى قد بحثت كثيرًا في الشخصية التركية الخشنة والقاسية والمبيدة التي تقوم بالمجازر منذ دخولها في خدمة الإسلام أيام الخلافة الإسلامية. في الحقيقة؛ لم تبخل تركيا في هذا المجال، فقد قامت بارتكاب المجازر والإبادات بحقّ الشعوب الأصيلة كالكرد والأرمن واليونان والآشوريين، كما قامت بالقضاء على الأحزاب والتنظيمات الاشتراكية واليسارية بعد ستينات القرن الماضي.
مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية
No Result
View All Result