دجوار أحمد أغا_
في الذكرى السنوية الواحدة بعد المائة لمعاهدة لوزان، تتضاعف الجهود الرامية إلى التفرقة بين الكرد وترسيخ الاستعمار أكثر من الموقعين والمتآمرين فيها، في حين تصعيد النضال والمقاومة، وتوحيد الصف الكردي، هي المقومات الأساسية، التي يتمسك بها الكرد لإفشال مخططات لوزان.
مهما بلغت الإمبراطوريات والممالك والسلطنات قوة، ومنعة فإنها في النهاية تصل إلى مرحلة الانكسار والتفتت. فلم تشذ السلطنة العثمانية عن هذه القاعدة، فمع بداية القرن الثامن عشر دخلت هذه المرحلة تراجعا شيئاً فشيئاً وانكماشاً على ذاتها، بعد مرحلة توسع كبيرة وصلت إلى أطراف العاصمة النمساوية فيينا.
السلطنة العثمانية التي اتّخذت من الإسلام شعاراً، وقامت باحتلال الكثير من البلاد والأوطان تحت حجة الفتوحات والدعوة إلى الإسلام، بينما في حقيقة الأمر كانت تسعى إلى توسيع سيطرتها ونفوذها حول العالم ومنافسة الإمبراطوريات الكبرى أمثال الإمبراطورية الروسية القيصرية، والإمبراطورية الألمانية النمساوية، والإمبراطورية الإنكليزية، والإمبراطورية الفرنسية.
خيانة العهد 
الكرد من الشعوب الأصيلة في منطقة “مزبوتاميا” وهم أحفاد الميتانيين والهوريين والميديين الذين بنوا حضارات عظيمة ما تزال أثارها شاهدة عليها. وهم من ساعد العثمانيين على الاستقرار في بلاد الأناضول بعد مجيئهم من صحراء قره قوم في آسيا الوسطى، حيث موطنهم الأصلي، وذلك من خلال الوقوف إلى جانبهم في معركة “ملاذكرد” سنة 1571 ومن ثم خلال مواجهتهم مع الصفويين في معركة تشالديران 1514حيث دعا الملا إدريس البدليسي الأمراء الكرد إلى الانضمام لجبهة العثمانيين في مواجهة الفرس الصفويين. لكن؛ العثمانيين خانوا العهد الذي قطعوه للكرد بالحفاظ على استقلالية إماراتهم، وعمدوا إلى القضاء عليها الواحدة تلو الأخرى بعد أن خسروا حروبهم في الغرب وتوجهوا نحو الشرق.
الجرائم بحق شعوب المنطقة
ارتكب العثمانيون مجازر ومذابح فظيعة بحق الشعوب، التي احتلوا بلادها سواء في الشرق أو في الغرب. رغم الدور الإيجابي الذي لعبه الكرد في تواجدهم بالمنطقة واستقرارهم، لكنهم لم ينجوا من مجازر ومذابح بشعة جرت بحقهم. بداية عزف العثمانيون وخلفاؤهم الأتراك على الوتر المذهبي في مواجهة الفرس الصفويين الشيعة، ومن ثم قاموا بالعزف على وتر الدين الإسلامي في مواجهة الأرمن والسريان والآشور الكلدان “الكفار” حيث أنشؤوا الخيالة الحميدية وقاموا بارتكاب أبشع وأقبح جرائم على مر التاريخ بحق الأرمن والسريان، الآشور وكل إنسان مسيحي بشكل عام.
هذه الجرائم التي يندى لها جبين البشرية والتي وللأسف نقول كان لبعض الكرد البسطاء دور الأداة المنفذة فيها، التخطيط كان تركيّاً بامتياز. بعدها توجه الأتراك إلى القيام بمجازر بحق الكرد من كليّ زيلان، نوالا قصابا، إلة قمش، وكوج كيري، ووان، وديرسم، وآكري، وغيرها حيث استشهد على إثرها مئات الآلاف بالإضافة إلى تهجير الملايين من الكرد من قراهم وبلداتهم في كردستان إلى مناطق في الأناضول والمدن التركية الكبرى (إسطنبول، وأنقرة، وإزمير، وأضنة، ومرسين).
معاهدة سيفر 1920 
شارك الكرد بوفد تحت قيادة الجنرال شريف باشا مع وفد أرمني بقيادة نوبار باشا في مفاوضات السلام التي أجرتها عصبة الأمم سنة 1919 بعد انتهاء الخرب العالمية الأولى. هذه المفاوضات التي أسفرت عن توقيع معاهدة سيفر في العاشر آب 1920 بين السلطنة العثمانية ودول المركز (إنكلترا، فرنسا، إيطاليا). هذه المعاهدة أقّرت في ثلاث بنود هي 62، 63، 64، والتي سمحت للكرد القاطنين بين النهرين بالعيش بشكل حكم ذاتي لمدة عام، وبعدها يتم إجراء استفتاء تحت إشراف عصبة الأمم وفي حال صوت الكرد لصالح الاستقلال، يجب على الدولة العثمانية الاعتراف بذلك.
القبول بالكلام المعسول
ولأن الكرد بطبيعتهم شعب طيب وأصيل، يحبّون تقديم المساعدة ولو على حساب الذات، فقد صدقوا الكلام المعسول الذي قاله لهم مصطفى كمال “أتاتورك” خلال مؤتمري سيواس، وأرضروم 1919 بشأن الوطن المشترك للكرد والترك وضرورة المشاركة في حرب الاستقلال ضد اليونان. بالفعل صدّق الكرد هذا الكلام الجميل وشاركوا في الحرب وقدّموا مساهمة فعّالة لتحقيق الانتصار. لكن؛ أتاتورك تراجع عن وعوده ولم يحقق شيئاً منها، بل على العكس من ذلك، قام بقمع الثورات والانتفاضات الكردية بقسوة بالغة وأعدم قادتها دون رحمة ولا شفقة رغم كبرهم في السن (الشيخ سعيد بيران 1925، سيد رضا 1937) نموذجاً.
معاهدة لوزان الجائرة
بعد انتصار مصطفى كمال في الحرب التركية اليونانية أو ما تُعرف بحرب “الاستقلال”، رفض معاهدة سيفر الأمر الذي دفع بالدول الأوروبية إلى خوض مفاوضات جديدة بغية الوصول إلى اتفاقية تنهي الحرب. بدأت مفاوضات طويلة بين المفاوضين الأتراك والأوروبيين في مدينة لوزان السويسرية، والتي انتهت بعد تسوية معظم الأمور المتنازع عليها وفي مقدمتها إلغاء معاهدة سيفر. تم توقيع الاتفاقية في 24 تموز 1923 تخلت بموجبها تركيا عن الأراضي الواقعة خارج حدودها الجديدة، بالإضافة إلى الاعتراف باستقلال الجمهورية التركية، التي تم الإعلان عنها لعدم إنهاء الخلافة العثمانية.
هذه المعاهدة كرّست تقسيم كردستان إلى أربعة أقسام، حيث لم تتطرق لا من قريب ولا من بعيد الى حقوق الكرد والأرمن وبقية الشعوب التي بقيت تحت سيطرة تركيا الحديثة خليفة السلطنة العثمانية.
تداعيات معاهدة لوزان
بعد مرور أكثر من 100 عام على هذه الاتفاقية الجائرة، لا يزال الكرد يعيشون تحت وطأة وثقل بنود معاهدة لوزان المشؤومة التي قضت على آمال وطموحات شعب بأكمله من أجل مصالح الدول الكبرى وتقربها من الدولة التركية القائمة على أنقاض السلطنة العثمانية. يقوم الكرد كل عام بتاريخ 24 تموز بالاحتجاجات وتنظيم المظاهرات والمسيرات الرافضة لهذه الاتفاقية، مطالبين المجتمع الدولي بإعادة النظر بالعواقب المأساوية التي ما يزال يعاني منها الكرد وشعوب المنطقة.
قرن من المجازر وعمليات التهجير القسري وسياسات القمع والاستيعاب التي مارستها الدول التي قُسّمت كردستان بينهم. الشعب الكردي، على غرار جميع شعوب العالم، يطالب بحقه في العيش بهويته على أرضه.
تأثيرها المستمر حتى الآن
لوزان أقرّت توزيع الشعب الكردي على أربع دول هي تركيا والعراق، وإيران، وسوريا، وهي دول تحكمها أنظمة شمولية ذات توجه قومي عنصري إلى أبعد حد. في لوزان تخلت القوى الكبرى عن الكرد لصالح دولة تركية قومية شوفونية مما تسبب بتهجير ملايين الكرد وتدمير قراهم والعمل على محو الهوية الكردية بشكل كامل. لكنها؛ على الرغم من ذلك، لم تستطع القضاء على روح المقاومة التاريخية لدى الكرد. فعلى الرغم من كل هذه الجرائم الوحشية والمذابح والمجازر الهمجية بحق الشعب الكردي، فقد استطاع من خلال حركة حرية كردستان التي أسسها القائد التاريخي لنضال ومقاومة الكرد القائد عبد الله أوجلان، أن يحطم الكرد القبر الذي نصبه الأتراك فوق قمة جبل آكري بعد القضاء على ثورة إحسان نوري باشا.
المقاومة مستمرة حتى تحقيق النصر





