No Result
View All Result
لقمان جارو_
الثورات التي انفجرت على مدار التاريخ البعيد والقريب، ما هي إلا حالة الرفض التي تُبديها المجتمعات والشعوب حيال الوضع المُعاش، والتي تفرضها النُظم الحاكمة أو الطبقات الأوليغارشية والمونارشيات المتفردة بمصير شعوبها، حيث تُحدد هي مصيرها وسُبل عيشها وأنماط الحياة الممزوجة بالذل والاستكانة لقدرها والتي تُسيّرها تلك الديكتاتوريات.
والثورة هي عبارة عن ردود أفعال تجاه هذه الفئات الحاكمة وهي تعبّر عن عدم رضاها تجاه سياساتها حيال الشعب، بالرغم من ظهور الدساتير والقوانين الناظمة لعلاقة الشعوب وحكوماتها مثل قوانين حمورابي، و”ماغنا كارتا/ الميثاق الأعظم 1215”، وبعدها محاولات “توماس هوبز” و”جون لوك” و”جان جاك روسو” الذين اجتهدوا في إيجاد صيغة مُناسبة من خلال العقد الاجتماعي لتحديد شكل العلاقة بين الشعب وحكوماتها وتنظيمها وفق الحقوق والحريات، والذين كانوا مُلهمي الثورة الفرنسية 1789 وبالتالي نهاية عهد الملكيات والإقطاعات وبداية ظهور الجمهوريات بمختلف صيغها.
إذَنْ منذ فجر التاريخ ومنذ ظهور النظم الدولتية والمدنيات والدكتاتوريات والنظام الهرمي الطبقي المُشبع بالذهنية السلطوية وبالتالي ظهور العديد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأزمات التي كانت السبب في قيام الثورات والتمردات الرافضة لتلك الوقائع، وخاصةً بعد تحديث الرأسمالية لبناها وأساليبها وازدياد حدة هجماتها على المجتمعية ومحور الحضارة الديمقراطية، ومن رحم هذه الأزمات شهد العالم الكثير من الثورات التي كانت تطرح الحلول وبراديغما المرحلة المُقبلة وتدعو إلى العدالة والحريات والإخاء والسلام، وخاصةً في القرون الثلاث المنصرمة كالثورة الفرنسية وبعد 100 عام تقريباً الثورة البلشفية الشيوعية عام 1917 وفي بداية القرن 21 ثورة 19 تموز، والتي انطلقت هذه المرة من مهد الحضارات في كردستان وتحديداً في روج آفا، أما لماذا في ميزوبوتاميا؟ لأننا هنا فقدناها وعلينا أن نبحث عنها في المكان الذي فقدناها.
ثورة “روج آفا” لا تقل أهمية عن الثورة الفرنسية والبلشفية، وذلك لعدة أسباب:
أولاً: لأنها تحمل في أطروحاتها منظومة من الحلول لكافة القضايا والأزمات المُعاشة، مثل قضايا المرأة وقضايا الأيكولوجيا والصناعية وإعادة المجتمعات إلى حقيقتها وإنشائها على أساس مجتمع سياسي ديمقراطي أخلاقي.
ثانياً: هي ثورة في المصطلحات والتي قامت الحداثة الرأسمالية بتحريفها وإعطائها تعاريف بما يخدم مصالحها وسياساتها الإمبريالية، وبالتالي تدجين المجتمعات وعيشها في حالة الاغتراب، فثورة 19 تموز هي ثورة إعادة تصحيح وتعريف المصطلحات كالحرية والديمقراطية والأخلاق والاقتصاد والسياسة والحرية الفردية وحرية المرأة، بالتالي إعطاء المعنى للقيم السامية للمجتمعات.
ثورة 19 تموز هي ثوره التآخي بين الشعوب والمجتمعات واحترام خصوصياتها ومحاربة المفاهيم القوموية والدولتية وارساء ثقافة إدارة المجتمعات لنفسها وتقرير مصائرها وتحديد مصالحها ونموذج العيش المشترك وتحديد العلاقات فيما بينها على أسس الديمقراطية الحقة.
وأخيراً وليس آخراً؛ فإن ثورة 19 تموز قدمت براديغما جديدة للعالم، وهي تناهض الحداثة الرأسمالية ودعائمها بطرح براديغما العصرانية الديمقراطية ودعائمها في الأمة الديمقراطية والاقتصاد الكومينالي والصناعة المتناغمة والمتآلفة مع الطبيعة.
وبعد نضال واستمرارية لاثنتي عشرة سنة ما زالت تُقدّم الأفكار والحلول، وأصبحت نموذجاً حيّاً تطبيقاً لشكل إدارة المجتمعات لنفسها من خلال نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية، وهي ثورة خرجت من حدودها المحلية إلى الإقليمية، بل إلى العالمية من خلال هذه التجربة الفريدة. وكما صرَّح المفكر الأمريكي الراحل نعوم تشومسكي: “ثورة روج آفا معجزة… على العالم أن يرى ذلك”.
No Result
View All Result