سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ثقافة الشرق الأوسط وهيمنة الحداثة الرأسمالية (1)

عبد الله أوجلان –
أفضى ولوجُ ثقافةِ الشرقِ الأوسطِ تحت نيرِ الهيمنةِ الرأسماليةِ إلى نتائج كارثيةٍ بصددِ الوقائعِ والحقائقِ الاجتماعية. ذلك أنّ التضادَّ مع ثقافةِ الشرقِ الأوسطِ يحتلُّ المكانةَالأهمَّ في منطقِ إنشاءِ الهيمنةِ الرأسمالية. كنا قد تناوَلنا في الفصولِ السابقةِ كيف أنّ الإسلامَ – الذي هو آخرُ ثقافةٍ شرقِ أوسطيةٍ كبرى – شَكَّلَ تهديداً كبيراً على أوروبا (من القرنِ الثامنِ إلى القرنِ السادسِ عشر)، سواءً من الغربِ عن طريقِ إسبانيا وسيشيليا ، أم من الشرقِ عن طريقِ بلادِ الأناضول. وقد طُوِّرَت الهيمنةُ الرأسماليةُ رداً على هذا الخطرِ المحدق. وبإضافةِ تناقضِ الشرقِ – الغربِ التقليديِّ أيضاً إلى ذلك، سيُدرَكُ كَنَهُ هيمنةِ الغربِ الجديدةِ وفحواها بنحوٍ أفضل. إذ ما كان للهيمنةِ الرأسماليةِ الغربيةِ أنْ تتصاعدَ أو تترسخ، من دونِ النهشِ في ثقافةِ الشرقِ الأوسط. وما الحروبُ التي شَنَّها نابليون على مصر وموسكو في مستهلِّ القرنِ التاسعِ عشر، سوى أولُ تجربةٍ جادةٍ لحملةِ الهيمنةِ تلك. أما الإمبراطوريةُ الإنكليزيةُ التي انتزَعَت زمامَ ريادةِ الهيمنةِ مع هزيمةِ نابليون، فقد بسطَت نفوذَها على ثقافةِ الشرقِ الأوسط، وعزَّزَتها مع مرورِ الوقت. وقد كانت هذه الحملةُ أكبرُ غزوٍ حقَّقَه نظامُ المدنيةِ الغربيةِ على الشرقِ عموماً والشرقِ الأوسطِ على وجهِ التخصيص، منذ عهدِ الإسكندر، بما في ذلك غزواتُ العهدَين الرومانيِّ والبيزنطيِّ أيضاً. وقد صُيِّرَت الرأسماليةُ بذاتِ نفسِها هيمنةً راسخةً بُغيةَ التمكينِ لهذا الغزو. محالٌ علينا تحليلُ مجرياتِ القرنَين الأخيرَين في الشرقِ الأوسط، ما لَم نَقرأْ التاريخَ بعينٍ سليمة. فما جرى لَم يَكُ فتحاً شبيهاً بفتوحاتِ العثمانيين أو الإيرانيين أو جنكيزخان، أو أيةِ مدنيةٍ أخرى على وجهِ الإيجاز. حيث تستندُ إلى نظامِ المدنيةِ المركزيةِ المتمأسسِ مجدَّداً أيديولوجياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. موضوعُ الحديثِ هنا هو إحكامُ أوروبا الغربيةِ قبضتَها على نظامِ المدنيةِ المركزية، بناءً على تشييدِها إياه وفق الطرازِ الرأسماليّ، وتأسيسِها هيمنتَه (اعتباراً من القرنِ السادسِ عشر)؛ وذلك بَعدَ محاولاتٍ حثيثةٍ دامت ألفَ سنةٍ بحالِها (بدءاً من أولى الحروبِ الصليبيةِ في 1906 إلى الحربِ العراقيةِ الأخيرةِ في 2003).
لا تزالُ كيفيةُغزوِ ثقافةِ الشرقِ الأوسطِ خلال القرنَين الأخيرَين موضوعاً بعيداً عن الاستيعابِ والفهم وبوِسعِنا استخلاصُ ذلك بأكثرِ حالاتِه شفافيةً من مأساةِ صَدّام حسين. فما يُزعَمُ أنها «حروبُ الاستقلال»، والتي دارت رَحاها في غضونِ القرنَين الأخيرَين، سواءً باسمِ الإسلامويةِ (السَّلَفِيّة) مجدَّداً، أم باسمِ القومويةِ العلمانية؛ هي في حقيقتِها حروبٌ ترمي إلى تطويرِ الهيمنةِ الرأسمالية، لا غير. حيث طُوِّرَ هذان الأسلوبان (الإسلاموية، القوموية) كنسختَين مشتَقَّتَين من الأيديولوجيا الاستشراقية، واستُخدِما تأسيساً على احتلالِ الذاتِ بالذات تحت اسمِ الرأسمالية. أي أنّه، وفيما خلا بضعةٍ من الحروبِ الريادية، فقد حقَّقَ النظامُ المهيمنُ توسعَه ونموَّه في واقعِ الأمرِ بِيَدِ الشرائحِ النخبويةِ في ثقافةِ الشرقِ الأوسطِ بذاتِ نفسِها، عن طريقِ تلك الأجهزةِ الأيديولوجيةِ والسياسية (السلطة). هذه النقطةُ عاليةُ الأهمية. ومن دونِ فهمِها كما ينبغي، لن يَكُونَ بالمقدورِ تحليلُ أو حلُّ الوضعِ الراهنِ للشرقِ الأوسط. أو بالأحرى، فسيُبقى على المنطقةِ تتخبطُ في معمعانِ الفوضى عبر مشاريعِ النظامِ المهيمن (الشرق الأوسط الكبير)، سعياً إلى تفكيكِها وإعادةِ بنائِها على خلفيةِ المصالحِ الجوهريةِ للنظام.

التعليقات مغلقة.