No Result
View All Result
عبد الرحمن ربوع_
تعِجُ الساحة السوريّة بضجيج الحوارات والنقاشات، الخاصة أو العامة، في البيوت والمضافات والمقاهي، على ضفاف الفرات والعاصي، على ضفاف السين والنيل، في الفيسبوك وتويتر واليوتيوب.. الكل مهتم بالاقتراح الذي قدّمه الرئيس التركي أردوغان، بدعوة بشار الأسد للاجتماع به، وإعادة العلاقات بينهما إلى ما كانت عليه قبل ثلاثة عشر سنة.
كثيرون يعتبرون تصريحات أردوغان الأخيرة، والتي ليست للاستهلاك المحلي، انقلابًا في السياسة التركية والاستراتيجية الأردوغانية تجاه سوريا، فبعد كل ما فعله أردوغان بالأسد بدعمه لما تسمى بالمعارضة السوريّة، السياسية والعسكرية؛ يسعى اليوم لفتح صفحة جديدة، و”كأن ما كان لم يكن”! ومع أن هذا التحول ليس بغريب على سياسة واستراتيجية أردوغان وحزبه ونظامه، وقد ألِفنا منهم البرغماتية الفجة على مدى أكثر من عقدين من حكمه لتركيا. إلا أن الغريب هو غموض السبب، واختلاف القراءات والتأويلات، وحالة عدم اليقين وحالة الصدمة التي أحدثتها هذه التصريحات والتحركات السياسية والدبلوماسية في اتجاه فتح قنوات سياسية واقتصادية وعسكرية بين أنقرة ودمشق. فضلاً عن توسِعة القناة الأمنية التي لم تُغلق بين الطرفين على الإطلاق.
ابتزاز وغزل
كثيرون اعتبروا خطوة أردوغان باتجاه المصالحة مع بشار الأسد ابتزازًا للأوروبيين والأمريكان، وهذه عادة متأصلة في الدبلوماسية التركية منذ خمسينات القرن الماضي حين انضمت تركيا إلى حلف الناتو في مواجهة حلف وارسو. لتصبح تركيا قلعة مُتقدمة من قلاع الغرب على تخوم الشرق أو في خاصرة الشرق.
فتركيا الغارقة في التضخم والبطالة والعنف المجتمعي والجريمة المنظمة دأبت على ابتزاز الغرب لمعالجة كل هذه المشاكل، والتي ما إنْ تهدأ حتى تثور من جديد، بسبب طبيعة الحكم في تركيا، والذي كان لعقود طويلة نظامًا عسكريًا فاسدًا، ولم تنجح محاولات إصلاحه الدستورية والديمقراطية. كما لم تنجح محاولات إزاحة أو خلخلة الدولة العميقة القومية الشوفينية المافيوية حتى الآن.
أيضًا هناك من اعتبر جرأة، أو وقاحة، أردوغان مردّها مغازلة العرب والروس والإيرانيين، والسير في ركابهم ومجاراتهم، ليكون لتركيا موطئ قدم في المنطقة التي يُعاد تشكيلها وتشكيل تحالفاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية. ولكي لا تصبح منبوذة حتى من أقرب جيرانها، العرب والفرس. بعد أن نبذها الإسرائيليون والغربيون بسبب مواقف داعمة عمومًا للقضية الفلسطينية، وخصوصًا لحكومة حماس في غزة.
وعود خيالية تتطلب إجراءات استثنائية
علاوةً على ذلك، هناك نظرية وجيهة لتأويل توجه أردوغان نحو الأسد تتمحور حول حل أزمة اللاجئين السوريين في تركيا، وهي أزمة وعد أردوغان بحلها ضمن وعوده الانتخابية سنة 2023، كذلك هناك فرضية تقول بأن أردوغان يريد قطع الطريق على المعارضة التي تسعى لفتح قنوات وإقامة علاقات مع دمشق لنفس الغرض، وبالتالي يبحث أردوغان عن حل “ثوري” يبتعد عن الحلول التي قدمتها المعارضة التركية، وفي الوقت نفسه يحقق ما يريده بعض الأتراك برؤية بلدهم خالية من اللاجئين، خصوصًا العرب منهم، الذين يعتبروهم خطرًا على هويتهم الطورانية.
وهذا الحل بحسب ما يراه أردوغان هو نفس ما تراه الدول العربية. ويبدو أنها أقنعته به: دعم حكومة دمشق سياسيًا، ورفع العقوبات الاقتصادية والمالية عنه، والاستفادة من خطة التعافي المبكر التي ستطلقها الأمم المتحدة لدعم عودة اللاجئين السوريين والشروع بإعادة الإعمار، وهو في الوقت نفسه يسمح لأردوغان خلق حالة سياسية واجتماعية وإعلامية داخل تركيا تغطي أو تعوّض الهزيمة المنكرة التي مُنيَ بها حزبه في الانتخابات البلدية الأخيرة، ويمهد لتقوية موقفه في الانتخابات النيابية المقبلة 2028.
البحث عن حليف
أيضًا ثمة أمر هام بالنسبة لأردوغان ومساعديه العسكريين والأمنيين، هو الظفر بحليف وشريك في حربه على الإدارة الذاتية في سوريا، فبعد معاناة طويلة مع حلف الناتو وفشل في إقناع بروكسل وواشنطن بحرب غير مبررة على قوات سوريا الديمقراطية تحت شعار مكافحة الإرهاب. تلوح فكرة التحالف مع نظام الأسد وداعميه الروس والإيرانيين والعراقيين كخيار ميمون، وكما يقول المثل: “إذا أفلس التاجر أخرج دفاتره العتيقة”. وهذا بالضبط حال أردوغان الذي ضاقت به الدروب وانتهت به على عتبات دمشق، لكن كيف لدمشق، التي تتهرب وتتملّص اليوم من واجبات عسكرية يفرضها عليها كونها عضوًا أساسيًا في حلف المقاومة والممانعة؛ أن تُلبي طموحات أردوغان بدخول حرب عبثية مع قوات سوريا الديمقراطية؟!
التردد الإيراني
علاوةً على ذلك لا تبدو إيران مُتحمِسة للتقارب بين أردوغان والأسد، ورغم ما أنجزته طهران وأنقرة بمعية موسكو في آستانة على مدى ما يقرب من ثماني سنوات، ورغم التعاون بين هذه الدول الثلاث على صعيد تفريغ معظم الأراضي السوريّة من ما تسمى بالمعارضة وتسليمها لدمشق؛ إلا أن هناك أزمة ثقة بين كل من روسيا وإيران وتركيا حيال سوريا. فالتنافس بين موسكو وطهران، بل صراعهما المحموم على النفوذ والثروات واضح للعيان، كما أن تركيا بمواقفها الصريحة الداعمة لما تسمى بالمعارضة السوريّة خلقت توترات وأحيانًا صِدامات مُميتة مع روسيا وإيران.
لأجل ذلك لا تبدو طهران مرتاحة للوساطة التي تقوم بها موسكو بين أنقرة ودمشق؛ لأن ذلك يعني فرصة لدمشق للاستغناء عن إيران كدولة سخّرت وتسخّر كل مواردها لحماية النظام في دمشق. كما أنها فرصة لفتح صفحة جديدة بين دمشق وأنقرة، والتي ستقوم بدورها بخنق لما تسمى بالمعارضة السوريّة وتصفيتها، وتكمل ما بدأته إيران وروسيا.
الشمس لا يحجبها غربال
لا يريد أردوغان بتقربه من الأسد إلا تحقيق مصالح شخصية له ولحكومته ونظامه. هذه حقيقة واضحة وجلية، ولا يمكن التغاضي أو التغافل عنها، وهو لن يقدم للأسد بتقرّبه منه خدمات مجانية. كما أنه لن يقبل إلا بثمن مُجزٍ من الدول التي تشجعه على تطبيع العلاقات مع دمشق. وهو اليوم في مرحلة المساومة وفتح البازار بانتظار تحصيل أكبر كمّ ممكن من الأرباح، وإحراز أكبر عدد من الأهداف.
وبالمقابل لا يبدو الأسد متحمسًا لمنح أردوغان ما يريده أو يصبو إليه في سوريا. ولعله يدرك أن العروض المقدمة لأردوغان غير مُغرية، وربما لن يقبل بها. لذلك؛ يمتنّع عن إبداء أي إيجابية تجاه أردوغان وعرضه. وذلك ليجبر أردوغان على الرضا بما تيسر من مكاسب، تاركًا الأمور لعامل الزمن الكفيل بتغيير الظروف “ربما” لصالحه يومًا ما.
وبالنسبة للشروط التي يضعها أردوغان للمضي قُدمًا في مصالحته وتعاونه مع الأسد، وهي نفس الشروط العربية والأمريكية، والمتمثلة بعنوان عريض: تغيير السلوك. بمعنى إجراء إصلاحات سياسية حقيقية تسمح بإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والقانون والديمقراطية والحكم الرشيد.. فالجميع يعلم أن الأسد لن يقبل بها. لعدة أسباب: بعضها متعلق بعدم قبول الإملاءات الخارجية، خصوصًا من حكومات وأنظمة دعمت ما تسمى بالمعارضة و”الثورة السوريّة”. وبعضها متعلق بكونه نظام لا يقبل التغيير. وأي محاولة لفعل ذلك تعني انهياره واضمحلاله.
No Result
View All Result