رؤوف قره قوجان_
المجتمع التركي، الذي اعتاد سماع أخبار مختلفة في الصباح عن تلك التي يسمعها في المساء، يبدأ يومه بتعليقات من قُبيل “ربما تأتي دعوة من سوريا”. ويتساءل الجميع “ماذا يحدث؟” فيما تعج جميع وسائل الإعلام بثرثرات على الشاشات تحت مُسمى “آراء الخبراء” كما لو تم الضغط على الزر. قال أردوغان: “لقد مددنا دائماً يد الصداقة إلى سوريا وسنواصل القيام بذلك”. لقد خلق حشداً فارغاً وساذجاً لدرجة أن أي شيء يعرضه للبيع يلقى رواجاً كبيراً. أي أن هناك مجتمعاً مستعداً للخديعة والوقوع في الفخاخ وتصديق الأكاذيب.
رأينا موكب أردوغان عندما ذهب إلى برلين لمشاهدة مباراة تركيا وهولندا، لقد أصبح على الفور مثاراً للسخرية. مثل هذا المشهد البصري فقط هو الذي يمكن من خلاله تفسير المجتمع المتخلّف في تركيا، وأياً كانت صفته، رئيس، خليفة، ديكتاتور… فإن الله منح مثل هذا الزعيم لهذا المجتمع التركي الذي يستحق ذلك.
إن الصراع في سوريا، الذي أصبح قضية معقدة وشائكة، مثل البطيخة سقطت على الأرض وتحطمت، ثم طُرِح على الطاولة فجأة تقريباً، دون أن يكون لأحد علم بذلك. ويبدو أنهم يريدون حل هذه المشكلة منذ وقت طويل. إنه مستعجل مثل مهرج. وبعد مدة من الشتم والذم بدأ بتغيير خطابه ولغته، وينشر عبارات الصداقة والأخوّة والتآلف.
بدايةً يجب أن نفهم لماذا وكيف تدهورت العلاقات بين البلدين. ويجب التوصّل إلى إجابات كاملة ومُرضية، وكذلك واقعية. ومن ثم التوصّل إلى ما تعرفه السلطات ولا يعرفه الشعب يجعله يسعى للوصول إلى مرحلة التطبيع، ومن الغريب ولكن المتوقع أنه في هذا الوقت الذي تشهد فيه العلاقات التركيّة السوريّة صراعاً كبيراً، وصلت الأمور إلى مرحلة التواصل والمباحثات. وكأن حجرة سقطت على رؤوسهم فعادوا إلى رشدهم وقرروا الابتعاد عن الشر. هذا أمر خطير للغاية، لكن ما يحدث يشبه الطُرفة والمزحة أو كأن يتعافى المرء تلقائياً بعد حادثة.
الجانب الأكثر أهمية والذي يخصنا هو كيفية حل المشكلة. فهل يريد أردوغان، المسؤول عن الحرب الأهلية في سوريا والمسؤول عن كل قطرة دم، حلاً للمشكلة فعلاً؟ أم أنه يحاول خلق ضحايا جُدد؟ هذا الدكتاتور، الذي يواصل عداءه للكرد، يريد مقابلة الأسد وإيجاد حل نهائي للمشكلة، ولكن هناك “إن” في هذا الموضوع.
شخصية أردوغان ليست محل ثقة ويستطيع الكذب في أي أمر. مساعيه المتواصلة للقضاء على الكرد والإدارة الذاتية، وتغيير ديمغرافية المناطق المحتلة، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية في تلك المناطق، وجعله المجموعات المرتزقة بلاءً على العالم، وجعل إدلب قاعدة للمرتزقة… إلخ. فكيف سيقوم بحل هذه المشاكل العملاقة دفعة واحدة؟
لقد وصل الوجود التركي في سوريا إلى مستوى أصبح لا معنى له بالنسبة لمصالح تركيا وأحلام أردوغان، ولم يعد يستطيع السيطرة على المرتزقة الذين يرعاهم بالقوة. وبعد الهجمات التي تعرّض لها السوريون في مدينة قيصري، لم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى تم تنكيس وحرق الأعلام التركيّة في المناطق الخاضعة لسيطرة المرتزقة مثل “الجيش الوطني السوري” المدعوم من الدولة التركية أو “الجيش الحر”. وتعد قيصري معقلاً لحزب العدالة والتنمية ومنطقة يسيطر عليها المحافظون، وقائدهم هو أردوغان الذي أصبح بلاءً على رؤوسهم في قيصري وفي كل مكان، وكانت الهجمات في قيصري كافية لتتحول الأعلام التركية إلى خرقة في سوريا.
وفي سوريا، يحمل أردوغان في يده سيفاً ذي حدين، وكلاهما قذِر. أينما ضرب تظهر القذارة. وعلينا أن ننتظر ونرى ما هو نوع الحل الذي سيخرج من هذا الأمر. أكثر مناطق سوريا استقراراً هي مناطق الإدارة الذاتية. وعلى الرغم من أنها تتعرّض باستمرار للهجمات العسكرية والسياسية والاقتصادية من قبل الدولة التركية والحزب الديمقراطي الكردستاني، إلا أنها تُمثل تجربة جادة للإدارة الذاتية للشعب، ورغم المشاكل والصعوبات، فإن النظام الإداري يُقدم خياراً ديمقراطياً ويخلق التقارب والشراكة الحقيقية بين الشعوب. يحاول الوصول إلى المثالية من خلال اكتساب الخبرة. إذا تجاهل التطبيع بين أردوغان والأسد الإدارة الذاتية وتم توجيه صفعة جديدة للمجتمع، فلن يتحقق السلام في سوريا، وإذا حدث شيء ما، فلن يكون سوى فوضى جديدة، إذا أدخلوا سوريا في فوضى جديدة، فلن يتمكنوا من إعادة اللاجئين، ولن يتمكنوا من منع المرتزقة من التمرد.
عودة العلاقات بين أردوغان والأسد ستعني بداية حُقبة جديدة للمكونات في روج آفا والمناطق المحررة. الأسد يحل مشاكله الخارجية وسيُركِز على المشاكل الداخلية. ويجب على جميع فئات المجتمع أن تتعامل مع المشاكل وأن تبحث عن سُبل حلها بالذكاء وليس بالقوة. ومع كل الإجحاف الذي تعرّض له الكرد، وعلى الرغم من أن لديهم فرصاً وإمكانات، إلا أنهم لم يضعوا الانفصال عن سوريا على جدول أعمالهم. لأنهم كانوا دائماً الجانب الذي يوجِد الحلول، إن حل المشاكل عبر الحوار، على أساس الحقوق الديمقراطية القائمة على مصالح الشعوب، سيكون مفيداً للجميع. سيكون نموذج الإدارة الذاتية نموذجاً مهماً ومستقراً لسوريا. إذا حدث هذا، فسيكون مثالاً يُحتذى به لشعوب الشرق الأوسط.
إن الدرس الأهم الذي يجب أن يتعلمه السوريون من المعاناة والقتل والتهجير هو: تطبيق نموذج المجتمع الديمقراطي الذي يعتبر النموذج الأمثل بالنسبة لهم.