هيفيدار خالد_
في ذكرى انتفاضة الـ 12 من آذار التي انطلقت شرارتها من مدينة قامشلو في شمال وشرق سوريا، ضد سياسات القمع التي انتهجتها سلطة البعث سنين طويلة ضد الشعب الكردي في سوريا، نستذكر جميع شهداء الانتفاضة وننحني إجلالاً لأرواحهم، ونقول لهم إن دماءكم الطاهرة لم تذهب سُدىً، بل تكلّلت اليوم بثورةٍ شعبية أيديولوجية حقيقية، تمكّنت من وأد محاولات الفتنة التي حاولت سلطات حزب البعث من خلالها اللعب على الوتر الطائفي والعرقي في المنطقة وضرب الشعوب الأصلية بعضها بعضاً، وبالأخص بين الشعبين الكُردي والعربي، إلا أن وعي شعوب المنطقة وتلاحمها فيما بينها كان أكبر من محولاتهم تلك.
الانتفاضة الشعبية التي ولدت من رحم المجزرة التي تعرّض لها الكرد على يد الأجهزة الأمنية التابعة للنظام البعثي التي أطلقت الرصاص الحي على الشباب الكرد أثناء وجودهم في الملعب البلدي في مدينة قامشلو لمتابعة مباراة بين نادي الجهاد الخاص بمدينة قامشلو، ونادي الفتوة القادم من محافظة دير الزور آنذاك، والذي كان مسلحاً من قبل، وتحوّلت فيما بعد إلى استهدافٍ مباشر للسكان الكرد في المدينة، حطّمت حواجز الخوف من بطش النظام الحاكم لدى جميع أبناء الشعب الكردي؛ إذ تعاضدت جميع المدن الكردية معاً في وجه المؤمرة التي حُيكت ضدهم بهدف القضاء عليهم وطمس هويتهم وقمعهم وتهميشهم في كافة مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، التي كان الكرد محرومين منها أصلاً في ظل النظام البعثي، بعد أن سمع الجميع بنبأ الهجوم على مشجعي نادي الجهاد من قبل نادي الفتوة.
الأحداث التي شهدها الملعب البلدي في الـ 12 من آذار والمجزرة التي تعرّض لها الكرد بموافقة محافظ الحسكة في ذلك الوقت دفع جميع الكرد في كافة المدن والمناطق السوريّة للخروج والتدفق إلى الشوارع والساحات تضامناً مع مدينة قامشلو، الأمر الذي فتح الطريق أمام تحقيق انتفاضة حقيقية وعفوية شعبية ضد سياسات حكم البعث، وعلى الرغم من تعرض الكرد لحملات القمع والاعتقال والتعذيب في سجون النظام السوري، إلا أنهم قاوموا وأبدوا إرادةً وعزيمةً في وجه تلك الممارسات والانتهاكات واستطاعوا إثبات وجودهم مرةً أخرى وأحقية قضيتهم وعدالتها.
شكّلت انتفاضة قامشلو بداية مرحلة جديدة في تاريخ الشعب الكردي في سوريا، بعد أن عبّرت الإرادة الشعبية عن رفضها القاطع وبقوة لسياسات النظام المركزي الاستبدادي في دمشق. وجاءت بمثابة حركة نهضوية من أجل إعادة تشكيل الهوية الوطنية السورية التي لم يستشعرها السوريون منذ سيطرة النظام الاستبدادي على الحكم في سوريا، كانت عاصفة في وجه النظام البعثي الشوفيني، وميراثاً حيّاً شكّل أرضيةً خصبة لانطلاق ثورة التاسع عشر من تموز في شمال وشرق سوريا التي جاءت للتعبير عن الذات في كافة مجالات الحياة، فخلقت في نفوس شعوبها من جديد روح النضال، مؤكدةً على أهمية العيش معاً على هذه الجغرافية التي احتضنت الإنسانية قبل آلاف السنين وها هي اليوم تحتضنها في ظل الإدارة الذاتية الديمقراطية.