No Result
View All Result
د. علي أبو الخير_
قد يحدث بعض الاشتباه واللغط في صراعنا مع الصهيونية واليهودية، فالأولى دعوة عنصرية والثانية ديانة سماوية، صحيح إنه قد لا يستطيع المواطن العادي التفرقة ما بين الصهيوني واليهودي، ومن ثمّ علينا توضيح الصورة، ربما نُنصِف الإسلام من الافتراء عليه، لأن البعض من رجال الدين يقولون إن اليهود كذا وكذا. من فوق ألف منبر ومنبر، في كل ربوع العالم الإسلامي ينتفخ الخطيب زاعقاً شاتماً اليهود، قائلاً: أبناء القردة والخنازير، دون أن يردعه ضمير أو قرآن، لا يعلم أن معركتنا ضد الحركة الصهيونية العنصرية، التي احتلت الأرض وطردت الشعب الفلسطيني وقتلت ودمرت وتآمرت ومازالت تتآمر.
المعركة مع الصهيونية
ليس لنا معركة ضد اليهود؛ لأن اليهود أهل كتاب كما أكد القرآن الكريم، ومن اليهود من هم ضد الحركة الصهيونية ومع القضية الفلسطينية، مثل المؤرخ الأمريكي اليهودي أفرام نعوم تشومسكي، والقاضي اليهودي الجنوب أفريقي ريتشارد جولدستون، الذي أدان إسرائيل في تقريره على عدوان إسرائيل ضد غزة عام 2009، كان هذا استدراك للتمييز بين الصهيونية واليهودية، مثل التفريق بين الوهابية والإسلام.
ليسوا قردة أو خنازير
لم يقل الله تعالى إن اليهود أبناء أو أحفاد القردة والخنازير، ومن يقول ذلك فهو يستند إلى فهم قاصر للقرآن وخُلق متدنِ وضمير ميت، والفهم القاصر للآيات القرآنية اعتبر جماعة عاصية من اليهود اعتدوا في يوم السبت بأنهم مثل القردة والخنازير، وعمموا الأمر طوال التاريخ على شعب كامل أنهم أحفاد قردة وخنازير، رغم أن التفاسير قالت إن المتحولين لقردة ماتوا بعدها مباشرةً، وليس لهم نسل، فكيف بالله يزعق الزاعقون بأن بعض بني الإنسان أحفاد قردة.. نعود للآيات القرآنية، قال الله تعالى مخاطباً بني إسرائيل في سورة البقرة الآية 65: “وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ. فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ” وقال أيضاً في سورة المائدة الآية 59: “قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل”، وذكر قصتهم بشيء من التفصيل في سورة الأعراف الآيات من 163 – 166، فقال: “وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ” الآيات كلها تتحدث عن معصية فعلها بعض وليس كل بني إسرائيل، جعل الله يوم السبت عطلة لهم لا يفعلون فيه شيئاً، وأمرهم الله امتحاناً لهم عدم الصيد في يوم السبت، امتحاناً بدليل ما ورد في الآية 163 من سورة الأعراف السابق ذكرها، “وكذلك نبلوهم”، والتف بعضهم حول الأمر الإلهي، فكانوا يقومون يوم الجمعة بعمل حواجز تمنع السمك من العودة إلى البحر، ثم يصطادوه يوم الأحد، وبسبب تلك المعصية، قال لهم الله كونوا قردة خاسئين، جملة “فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين”، تدل على أن الأمر ليس مسخاً، ولو كان مسخاً، لقال كونوا قردة فقط بدون خاسئين، ولكنه قال كونوا قردة خاسئين، أي كونوا مثل القردة الخاضعين الأذلاء،

وليس تحويلهم لقردة وخنازير، وأيضاً قال: “جعلنا منهم قردة وخنازير وعبد الطاغوت”، وفعل “جعل” في معاجم اللغة لا يأتي أبداً بمعنى المسخ التحويلي من إنسان لقرد أو خنزير، فعل “جعل” جاء في المعاجم بمعنى وضع وعيّن، مثل جعل الحسن قبيحاً، وجعله وزيراً أو مديراً، وجاء فعل “جعل” في القرآن الكريم كثيراً جداً ليؤدي هذا المعنى، نختصرها في بعض الحالات القرآنية، مثل جعلوا أصابعهم في آذانهم، أي وضعوها، وإني جاعلك للناس إماماً، أي عيّنتك إماماً للناس، وجعلنا البيت مثابة للناس وأمناً، أي خصصناه للأمن والأمان، وغيرها الكثير من كلمة جعل في القرآن الكريم يعود لها من يريد، وفي الحالات الغيبية قال الله “أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون”، كما جاء في كثير من السور القرآنية، مثل سورة مريم الآية 35″ ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون”، وسورة غافر الآية 68 ” هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون”، وبالتالي فإن حادث معصية يوم السبت ليس من الأمور الغيبية، ولكنه حدث امتحان رسب فيه البعض ووصفهم الله بالقردة، وأن الله غضب ولعن هؤلاء العاصين، جعل منهم مثل القرد الخنزير، ومن يعبد الطاغوت الإنساني، كلهم في سلة واحدة، وذلك في السلوك الإنساني الناشئ عن الاستكبار على الأمر الإلهي، أما كلمة “خاسِئ”، فهي فاعل مِنْ “خَسَأَ”، ورَجُلٌ خَاسِئٌ: ذَليلٌ خَاضِع منكسر متحسر، كما جاء في الآية 4 من سورة الملك ” ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِير”، ومعنى الآية أنه تأديباً للعصاة، قال لهم الله إني جعلتكم مثل القردة الخاضعين لغيرهم، وليس طبعا مسخ من إنسان لقرد أبداً، تلك أوهام مفسرين، ولذلك جاءت تكملة الآية 65 من سورة البقرة تقول وجعلناها نكالاً، أي تنكيل، والتنكيل لا يكون بالمسخ التحويلي، بل هي عقوبة دنيوية تأديبية، وهي معصية أقل شأناً من الشرك بالله والزنا والقتل وقطع الأرحام، ولذلك أكد الله في سورة الأعراف الآية السابق ذكرها أن التقاة من جماعة بني إسرائيل استنكرت وعظ العصاة، لأنهم متأكدين من عدم استماعهم أو الاستجابة لهم، وعندما نسوا قال لهم الله، كونوا قردة خاسئين أي مطرودين من الجماعة الصالحة، وليس بالمسخ التحويلي أبداً.
والمدهش هو ما رواه مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ”، وقال الإمام النووي في شرح مسلم: قول النبي: “وَإِنَّ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير كَانُوا قَبْل ذَلِكَ”، أَيْ قَبْل مَسْخ بَنِي إِسْرَائِيل، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمَسْخ، وهو حديث يتفق مع تفسير الآيات القرآنية، ومع ذلك يزعم الخطباء من فوق المنابر أن اليهود أحفاد قردة، ثم يريدون تجديد الخطاب الديني قبل نقده، نستغيث بالله منهم جميعاً…
No Result
View All Result