No Result
View All Result
شرفان سيف الدين_
لم يعد خافياً على أحد أنّ منطقة الشرق الأوسط أصبحت اليوم بؤرة توتر عالمية، وأنّ معظم القوى العالمية إنْ لم نقل جميعها تحاول إيجاد موضع قدم لها على هذه الجغرافية المهمّة من العالم بشكلٍ أو بآخر.
هذا يُعيدنا إلى ما قاله المفكر عبد الله أوجلان في مرافعاته ضمن المجلد الخامس المعنون باسم “القضية الكردية وحلّ الأمّة الديمقراطية”: بأنّ القوى المهيمنة على العالم بدأت الحرب العالمية الثالثة بالفعل، وأنّ مسرح هذه الحرب هو الشرق الأوسط تحديداً، وأنّ هذه الحرب بدأت بالمؤامرة الدولية في شخصه ومجموعة الأفكار التي يطرحها من أجل العيش المشترك لجميع شعوب المنطقة. وبالفعل إذا ما أردنا أنْ نتتبّع بوصلة الزمان والمكان للشرق الأوسط والأعلى والأدنى؛ فإنّنا نجد أنّ كل الظروف تؤدّي أو تُهيئ لمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير بحسب المسميات الغربية، بدءاً بالحرب الأمريكية سنة 2001م في أفغانستان ضد تنظيم القاعدة المدان بأحداث الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم الغزو الأمريكي للعراق بحجة امتلاكه لأسلحة محظورة دولياً، وبعدها أحداث الربيع العربي التي اجتاحت شمال أفريقيا والشرق الأوسط في نهاية عام 2010م وبداية عام 2011م وما تخللها من فوضى عارمة بين الشعوب ومؤسسات الدولة، وصولاً إلى الحرب الدائرة حالياً بين إسرائيل وحماس في غزة منذ أكثر من ثلاثة أشهر ومحاولات تركيا زعزعة استقرار دول الجوار والمنطقة والعالم من خلال تبنّيها للتنظيمات الإسلامية الراديكالية.
الفوضى الخلّاقة كإحدى أدوات الرسم للخارطة الجديدة للمنطقة
تعتبر وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة (كونداليزا رايز) عرّابة هذه المفردة التي دخلت إلى مصطلحات السياسة العالمية، حيث إنّها في نيسان من عام 2005م أدلت بحديث صحفي لجريدة (واشنطن بوست) أعلنت فيه عن مخطط بلادها بما يخص الشرق الأوسط الجديد لنشر الديمقراطية عن طريق ما أسمته بالفوضى الخلاقة وأنّها أصبحت أولوية للسياسة الخارجية الأمريكية. من هنا نلاحظ عدم الرضى على التقسيم الحاصل قبل قرن من الزمن وبالتحديد في اتفاقية سايكس – بيكو أثناء الحرب العالمية الأولى وتقسيمهم للمنطقة كمستعمرات موزّعة ما بين دول الحلفاء بعد ظهور بوادر الانتصار في الحرب، وترسيخ التقسيم واعتراف الأتراك الجدد بانتهاء حقبة الدولة العثمانية بالتوقيع النهائي على معاهدة لوزان وفرض شروط الدول المنتصرة. بكل تأكيد؛ فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية في يومنا هذا تجد في نفسها القوّة العظمى التي تحكم العالم خاصةً بعد تفكك الاتحاد السوفياتي مع نهايات القرن الماضي، وعليه فإنّها تجد أنّ من حقّها إعادة ترتيب بعض الخرائط بحسب مصالحها وأهدافها الاستراتيجية لإبقاء ديمومتها في أن تكون الشرطي المحافظ على النظام العالمي الجديد.
الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني
يعدُّ الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني من إحدى مفرزات الحربين العالميتين الأولى والثانية وليس خافياً على أحد المخطط الغربي – البريطاني بشكلٍ خاص- في تشكيل دولة قومية ليهود العالم بدءاً من مؤتمرهم الأول في نهاية القرن الثامن عشر مروراً بوعد بلفور وزير الخارجية البريطانية في بدايات القرن التاسع عشر وصولاً إلى منتصف القرن وبالتحديد بعد وضع الحرب العالمية الثانية لأوزارها وانسحاب القوات البريطانية من فلسطين وإفساح المجال لإعلان الدولة القومية للشعب الإسرائيلي. كل ما سبق ووصول القوة اليهودية إلى مراكز التحكم بالسياسات العالمية كانت من الأسباب المباشرة في إعلان إسرائيل كدولة في الشرق الأوسط، بطبيعة الحال كانت ترادفها الأسباب الموضوعية المتعلقة بالجهل السياسي في المنطقة في تلك الفترة وعليه أصبحت دولة إسرائيل واقعاً ملموساً رغم بعض المحاولات الخجولة من الطرف المقابل، هذا الرد الخجول كان من أحد الأسباب التي فتحت شهية الطرف المقابل في التوسع في حرب حزيران عام 1967م، والرد العربي الذي كان في عام 1973م، لتتوقف الحروب الكبيرة حتى بداية التسعينات من القرن الماضي وإيمان طرفي النزاع بالحل السياسي وأنه لا يمكن إيجاد الحلول بالطرق العسكرية وأنّ الجلوس إلى طاولة الحوار هو الحل الأمثل والوحيد، وفعلاً تمّ ذلك في 13 أيلول 1993م في واشنطن وبحضور الرئيس الأمريكي آنذاك (بيل كلينتون)، وسميت باتفاقية أوسلو نسبةً إلى العاصمة النرويجية التي تمت فيها اللقاءات السرية ما بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية بدءاً من عام 1991م، ولكن لعدم إمكانية منظمة التحرير الفلسطينية السيطرة على التيارات الإسلامية الراديكالية وعدم إمكانية لجمها وضبطها بقي الاتفاق هشاً، بالإضافة إلى مماطلة الجانب الإسرائيلي في تطبيق بنود أوسلو وكانت أحداث عام 2000م ودخول رئيس الوزراء الأسبق (أرئيل شارون) لباحة المسجد الأقصى من الأسباب التي أدت إلى التصعيد ما بين الطرفين حتى نهاية عام 2005م، مع بداية عام 2007م ودخول حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وفوزها أصبح المشهد أكثر تعقيداً وذلك للبعد الأيديولوجي في إمكانية التواصل ما بين طرفي النزاع وبقي الحال هكذا حتى اندلاع ما بات يُعرف بالربيع العربي ولينشغل العالم بالمجريات والأحداث المتسارعة في العالم والمنطقة ولتُهمّش هذه القضية نوعاً ما، ليشكّل كل ما سبق النواة التي انفجرت في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي وتفرز حرب دموية ما بين الطرفين، ولتبدأ حقبة تصفية الحسابات ما بين القوى الكبرى وتطبيق كلّ طرف لأجنداته ومخططاته في المنطقة، وبحسب المتابعة لمجريات وتطورات الأحداث هناك؛ فإنّه يبدو أنّ هناك شبه إجماع على إمكانية فرض حل الدولتين ولكن بدون حماس والجهاد الإسلامي.
ماذا تريد تركيا بالضبط..؟
ربّما يعتبر هذا السؤال هو الأصعب بالنسبة للسائل والمجيب في آنٍ واحد، خاصةً مع وصول أو إيصال حزب العدالة والتنمية التركي إلى سُدّة الحكم في عام 2002م هذا الحزب الذي يحمل التوجه الإسلامي المعتدل -أو ربما هذا ما كان المأمول منه- فمع بدء الولايات المتحدة الأمريكية حربها على الإرهاب والمتمثل أو المحصور في الإسلام المتشدد كان لابد من خلق البديل في المنطقة وعليه تم طرح ما بات يعرف بمصطلح (الإسلام المعتدل)، بدأت تركيا فعلاً بخطو بعض الخطوات الإيجابية التي أنعشت اقتصاد البلاد والانفتاح على دول المنطقة والعالم واتباع سياسة صفر مشاكل حتى اندلاع الثورات الشعبية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وبدأت بترتيب بيتها الداخلي وإمكانية التصالح وإيجاد حلّ عادل ومتفق عليه مع كرد الداخل عام 2013م والقيام بخطوات إيجابية في هذا المنحى والتواصل مع “إمرالي” بالتوازي مع قنديل وحتى التواصل مع الكرد في شمال وشرق سوريا أيضاً، ولكن ومع ظهور ولمعان نجم داعش، وإعلان شعوب شمال وشرق سوريا للإدارة الذاتية وتدخّل التحالف الدولي لمناصرة القوى الكردية في كوباني ضد التنظيم الإرهابي، تبدلت رياح سياسة أنقرة تجاه المنطقة بشكلٍ عام والكرد بشكلٍ خاص، فبالرغم من التوتر الذي كان بينها وبين روسيا على أثر مقتل سفير الأخيرة في العاصمة التركية وإسقاطها لطائرة حربية روسية على الأراضي السوريّة، تم التقارب مع محور روسيا وحلفائها بالرغم من أنّها عضو في حلف الشّمال الأطلسي (الناتو) العدو الّلدود لروسيا، ولتتوسع الهوّة ما بين تركيا والغرب شيئاً فشياً.
بقاء أردوغان في قمّة هرم السلطة في تركيا نعمة أم نقمة؟
تركيا ومنذ عام 2016م وبعد الانقلاب المزعوم وهي تقضم في كل فرصة تسنح لها المزيدَ من الأراضي السوريّة بدءاً من الباب وإعزاز ومن ثم عفرين وسري كانيه وكري سبي/ تل أبيض بشكل مباشر وعبر أذرعها ومرتزقتها أو ما يعرف بالجيش الوطني السوري، ولكن يبدو أنّ الحرب الأخيرة في غزة بين إسرائيل وحماس فتحت شهية النظام الحاكم في تركيا لمزيد من الاعتداءات على مرأى ومسمع العالم بحجة المحافظة على أمنها القومي جنوبي البلاد دون تحريك ساكن أو حتى إدانة علنية، وخاصةً القوى الفاعلة في سوريا وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية كونها تقود التحالف الدولي لمحاربة التنظيمات الإرهابية المتمثلة بداعش، وكذلك روسيا التي تعتبر إحدى الدول الضامنة في منصة أستانة ويبدو أن لكل منها أهدافُها وحِججُها فالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً يمكن ذكر أسباب صمتها مثلاً في:
– انشغالها بإسرائيل وحربها الأخيرة مع حماس في غزة.
– إرضاء الأتراك في عملية مساومة على موافقة الأخيرة على انضمام السويد لحلف الشمال الأطلسي (الناتو).
– كي لا تنجرّ تركيا بكامل ثقلها نحو الدب الروسي خاصةً وأنها عضو فعال عسكرياً في الناتو.
– إرغام قوات سوريا الديمقراطية على تنفيذ بعض أجنداتها بمحاربة الميليشيات الإيرانية على الأراضي السوريّة.
– الضغط على قوات سوريا الديمقراطية بفك ارتباطها مع حزب العمال الكردستاني بحسب الادعاءات التركيّة المستمرة.
أما بالنسبة لروسيا فهي الأخرى لها أهدافها من الصمت على ما تفعله تركيا في شمال وشرق سوريا من ضرب للبنى التحتية والمدنية أيضاً يمكننا ذكرها -لا حصرها- أيضاً في:
– انشغالها بالحرب الأوكرانية.
– إحراج الولايات المتحدة الأمريكية ما بين حلفائها تركيا من طرف كدولة وشريك في الناتو، وقوات سوريا الديمقراطية من الطرف الآخر كشريك محلي في مكافحة الإرهاب.
– الضغط على الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا وإحراجها أمام شعوب المنطقة اقتصادياً وخدمياً لإجبارها على التفاوض مع دمشق بدون شروط مسبقة أو بأقلّ سقف ممكن من المطالب.
في ظلّ كلّ ما سبق؛ فإنّ الموقف العربي الرسمي والرأي العام العربي الشعبي هو أكثر ما يدعو للاستغراب، فبالرغم من احتلال الأتراك لأراضي سوريا والتي عادت مؤخراً إلى حضن جامعة الدول العربية فإنها لا تبدي ردّة فعل، ولو ببيانات خجولة أو حتى تصاريح صحفية، اما بالنسبة حكومة دمشق فلا شيء يدعو للاستغراب فهو نظام مريض أو ميت سريرياً والحكم المطلق فيها بالنسبة للساحل السوري للمندوب السامي الروسي وبالنسبة لدمشق والداخل؛ فإن الحرس الثوري الإيراني والاستخبارات متكفّلين بها.
أمّا في تركيا وقبل أي استحقاق انتخابي بات معروفاً هذا النهج وهو تصدير المشاكل الداخلية للخارج فتدهور العملة التركية والخناق الاقتصادي الداخلي بات الهمّ الشاغل للمواطن التركي خاصةً وأن سياسة التسوّل الاقتصادي الذي يقوم به رأس النظام في تركيا باتت سياسة فاشلة ولم تعد ملايين الدولارات القطرية تفيد نفعاً في ظل ما تعيشه تركيا من أزمات متراكمة، أّما فيما يخص انعقاد جولة جديدة من أستانة بين ما يسمى بالدول الضامنة، فقد أصبحت الأمور واضحة وضوح الشمس في أنّه ومع كل انعقاد يتم إعادة هيكلة جديدة للتوزع على الأراضي السورية فقط لا غير، خاصةً مع غياب القرار السوري المسلوب من الطرفين (النظام والمعارضة) على حدٍ سواء بالتوازي مع عدم وجود أي إرادة دولية لإحياء باقي المسارات في إيجاد الحل السياسي.
في المجمل؛ فإنّ العدوان التركي الأخير على البنية التحتية والمشاريع الاقتصادية المدنية في شمال وشرق سوريا ما هو إلّا ثقافة تركيّة عبر التاريخ في التخريب فقط من أجل التخريب، ويكشف نوايا حزب العدالة والتنمية وحليفتها في الحكومة الحركة القومية في تنفيذ مخططات وآمال الميثاق الملي في عملية إحياء العثمانية الجديدة والتي تعتبر تركيا الجمهورية نفسها الوريث الشرعي لها، ويتبين ذلك جلياً من خلال التصريح الأخير لزعيم الحركة القومية الشريك في الحكومة بإمكانية الولوج في الأراضي السورية لمسافة 60 كم بدلاً مما كان متعارف عليه سابقاً في ما يُعرف باتفاقية أضنة سنة 1998م وهو 30 كم، كما وأنه يتزامن مع كل استحقاق وطني تقوم به الإدارة الذاتية الديمقراطية بالتصديق على وثيقة العقد الاجتماعي ونجاح الاجتماع الدوري لمجلس سوريا الديمقراطية.
No Result
View All Result