No Result
View All Result
د. أنمار نزار الدروبي (أستاذ الفكر السياسي)_
البراغماتية تيار فلسفي يدعو إلى حقيقة أن كل المفاهيم لا تُثبت إلا بالتجربة العلمية ومذهب الرئيس التركي (أردوغان) يرى أن معيار صدق الآراء والأفكار إنما هو في قيمة عواقبها عملاً. في الوقت نفسه يعتمد الفكر السياسي البراغماتي الأردوغاني بشكلٍ أساسي على (الدارونية) القائلة
بأن البقاء للأقوى والأصلح. وإننا لكي نقيم الفكر السياسي للرئيس التركي، فكل ما نحتاج إليه هو تحديد سلوكه وفعله، بمعنى ردود أفعاله تجاه حرب غزة وما يتعرض له شعبنا الفلسطيني من قتل وتهجير وتصفية بكل المقاييس في الوقت الحاضر. ومنذ أحداث 7 تشرين الأول 2023 حتى ساعة كتابة هذا المقال لم ولن نرى موقف بطولي رسمي من قبل أردوغان أو من حزب العدالة والتنمية (الحزب الإسلاموي) تجاه هذه الحرب. وبالعودة قليلاً إلى عام 2009 وكيف تصرف أردوغان (بشجاعة) مع شمعون بيريز في مؤتمر دافوس، تلك الحادثة التي اشتهرت في وسائل الإعلام والقنوات الفضائية وتحديداً (القنوات الإخوانية) بحيث لم يبقَ إلا أن يدرج أسم أردوغان في كتاب (تاريخ الرسل والملوك) للطبري.
تجدر الإشارة إلى أنه بتاريخ 31 كانون الثاني 2009، بثت وسائل الإعلام التركية نص المكالمة الهاتفية التي أجراها بيريز مع أردوغان، وجاء في المكالمة اعتذار واضح من بيريز لأردوغان عقب المشادة بينهما في مؤتمر دافوس. وكان رد أردوغان” لا شك أن الأصدقاء يتناقشون بينهم، ولكن لا يمكن قبول رفع الصوت عالياً في محفل دولي بوجه رئيس وزراء تركيا وكأنه رئيس قبيلة”. عليه فإن أردوغان وبيريز أصدقاء، وأن تصرفات أردوغان كانت في حينها استعراض عضلات ليس أكثر.
من هذا المنطلق؛ فإن فلسفة أردوغان هي (لا يهم ما يكون لون القط أبيض أو أسود المهم أن يأكل الفأر) وهي مقولة الزعيم الصيني (دانغ شياوبينغ) رجل نهضة الصين وراعي إنجازاتها الاقتصادية المعاصرة.
عندما جاء ميكافيللي أو نيقولا… كما وصفه وليم شكسبير في أحد فصول مسرحياته. سجل ميكافيللي نصائحه السياسية في كتابه (الأمير) لم يفضح ما تتستر عليه الدولة وإنما وضع لذلك السلوك الغير أخلاقي مبررات بحكم لزومه في تحقيق الأهداف وفق مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة). وربما أردوغان اتكأ على عكازة ميكافيللي، وأصبح مبدأ الغاية تبرر الوسيلة فضيلة من الفضائل الأفلاطونية لدى أردوغان، بذلك فإن اعتبار الأخلاق منقصة في السياسة وبحسب البراغماتية الأردوغانية، لكن الإشكالية هنا معلقة حيال أيديولوجية أردوغان، تلك الأيديولوجية الدينية التي تكمن في تبنيها للميكافيللية في سلوكها السياسي وتسترها بعباءة التديّن.

من الواضح فإن السلوك البراغماتي للسياسة الخارجية التركية اقتضى الصمت حيال أحداث غزة، والكوميديا السوداء، ربما نصل إلى موقف رسمي حيال هذه الحرب، وتقف تركيا على الحياد، وعلى مسافة متساوية من الجانبين المتصارعين مطالبةً كليهما بوقف الحرب وتسوية النزاعات عبر الحوار والتفاوض.
في السياق ذاته فإن البراغماتية في مثل هذه المواقف ليست غريبة على أردوغان، بمعنى أن المواقف السياسية لأردوغان تتبلور وفق رؤية متسقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو، بالتالي فإن البراغماتية الأردوغانية حيال قتل وتهجير الشعب الفلسطيني تنحصر في حدود (عدم الرضا إعلامياً) فقط.
لقد تناسى الجميع أن الباحث في دراسة البراغماتية محتم عليه أن يبحث الأرضية التاريخية لأردوغان، أو أن يبحث في تاريخه الشخصي ومدرسته الفكرية بمن حوله، وخاصةً علاقته مع (نجم الدين أربكان) الأب الروحي له وكيف غدر به أردوغان، وهذا يعكس كل النواحي السياسية والدينية والأخلاقية والاجتماعية والأدبية والفكرية والاقتصادية لهذا الرجل. من ثم لا بد من المزج بين كل هذه العوامل والأسباب كي تتضح كل جوانب المقال وأبعاده.
وفقاً لما تقدّم، فإن أردوغان ليست لديه حلول لأي مشكلة سواء كانت حرب غزة أو غيرها، بل مجرد شعارات براقة دون أي مضمون واقعي أو خطة علمية عملية. وإنما كل ما يفعله هو الاهتمام بالبيعة له بالسمع والطاعة المطلقة حتى يحكم باسم (الإسلام) دون أن يكون مسؤولاً عن الرعية وهذه هي أسوأ أنواع البراغماتية.

بالمقابل؛ فإن المؤيدين لأردوغان في حالة من الغيبوبة العقلية، تلك الغيبوبة التي تجعلهم راكعين له طائعين ليركب على ظهورهم باسم الدين، وعليه فإنهم يتحملون أوزارهم وليس الإسلام مسؤولاً عن هذه الأوزار.
No Result
View All Result