No Result
View All Result
محمد عزو_
أعيد كتابة موضوع “الرقة البيضاء” و”الرافقة” والفرق بينهما من حيث نمط البناء والتاريخ مرات عديدة، والسبب في ذلك هو ما ينشره البعض عن “الرقتين” على أنهما مدينة واحدة وأغلبهم يقول: “الرقة” التي بناها “الإغريق” في عام/280/ ق.م هي ذاتها “الرقة” التي نسكنها اليوم. وهذا خطأ كبير وعدم معرفة في التاريخ والجغرافيا.
“الرقة” رقتان؛ وأنهما مدينتان متجاورتان الأولى تسمى “الرقة البيضاء” شيدها “الإغريق” عام/280/ ق. م، بقاياها اليوم تقع أسفل البيوت الحديثة لحي “المشلب”، لها سور مربع طول أضلاعه الأربعة، أربعة كيلو مترات، وهذا السور كان مشيدا بالكامل من مادة الآجر، وكان له أربع بوابات كل واحدة متوضعة على جهة من الجهات الأربعة، وإلى وقت قريب ونحن أطفال كنا نلعب في مدخل بوابة “حران” المتوضعة على ضلع السور الشمالي، وكنا نسميها صخرات “الحليسات” كون البوابة كانت تقع ضمن بيوت حي “الحليسات الجدداسة”.
مع التوسع العمراني والإهمال الحاصل من الجهات الرسمية في الحفاظ على هذا الأثر الهام جداً، أزيلت هذه البوابة، وبني مكانها بيوت حديثة (مخطوطة تاريخ الرقة، المرحوم مصطفى الحسون). بعد مرور أكثر من/800/ عام على بناء مدينة “الرقة البيضاء” التي فتحها العرب المسلمون في عام/639 /م وظلت قرناً من الزمان تحت السيطرة “الأموية” عرفت خلال تلك الفترة تطوراً كبيراً في الحضارة والبناء حتى عام/732/م. وهي الفترة التي استلم فيها العباسيون خلافة البلاد، وفي عهد الخليفة “المنصور” تم بناء مدينة جديدة أطلق عليها اسم “الرافقة”، الواقعة ضمن الأسوار الإسلامية الأثرية وتاريخ البناء يعود لعام/772م – 155هـ/.
عاشت المدينتان في ظل الدولة العباسيةّ واحدة تحمل اسم “الرقة البيضاء”، والثانية “الرافقة” حتى القرن العاشر الميلادي، حيث كبرت وشاخت مدينة “الرقة البيضاء” فأخذت “الرافقة” منها اسمها ودورها واندمجت المدينتان في اسم واحد هو “الرقة”، بعد أن قرر الخليفة العباسي (أبو جعفر المنصور) أن يختار مكاناً ليجعله العاصمة الصيفية للدولة العباسية، فقد أمر ببناء مدينة “الرافقة” قرب “الرقة” البيضاء على بعد /300/ ذراع غرباً، وعلى الضفة اليسرى لنهر “الفرات”، وجعلها دائرية الشكل لتكون توأماً لمدينته المدورة “بغداد” مدينة السلام، كما أمر ببناء سور عليها، على شكل دائري يشبه سور “بغداد”، الا أن الدائرة لم تكتمل فاتخذ السور شكل حدوة الفرس، وذلك لأن الضلع الجنوبي للسور كان يشاطئ نهر “الفرات”، ولم يتطلب الأمر إقامة سور مضاعف في الجهة الجنوبية. كان سور الرافقة مضاعفاً في الجهات الأخرى الثلاثة يفصل بينهما فصيل عرضه/20.28/م، يحيط بهما خندق مائي عرضه في القاع ثمانية أمتار، وفي الأعلى مضاعفاً/16/م، وأما أبواب السور الداخلية فكانت على شكل طاقات نفذت في السور الداخلي الرئيسي، ووظيفتها تحقيق حرية الحركة والاتصال ما بين المرابطين على السورين والصعود والهبوط من على جسم السور الرئيس الداخلي، ويمتد الشارع الرئيس من بوابة شارع مستقيم يخترق المدينة إلى رحبة مركزية.
بني داخل هذه الرحبة قصر الإمارة الذي أزيل بالكامل والمسجد الجامع، ويتقدم السور الخارجي خندق مائي يسمى نهر “النيل” لغزارته كان قد زود بمياه من “الفرات” من غرب مدينة “الرقة” هذا الخندق اشتقه الملك “حمورابي” عندما زار “الرقة” قبل منتصف الألف الثاني ق.م. جدده الخليفة “الرشيد” وضمن هذه الأسوار، وجنوب شرق “الرافقة” يقع “قصر البنات”.. حيث دلت الخزفيات، التي وجدت بهذا القصر إنها تعود إلى عهد الدولة الأيوبية، ويتألف القصر من باحة مركزية تطل عليها أربعة أواوين. يقع مدخله في الجنوب، تقابله في أقصى الشمال صالة خلفها حجرة، وإلى جانبيها حجرتان، وتطل الصالة على باحة ورواقين.
يمتد القصر شرقاً وغرباً تحت الشوارع القائمة. وتعرض القصر إلى أعمال نهب بحثاً عن الخزف الرقي، ولذا لم تعثر فرق التنقيب على مدار خمس سنوات إلا على إناء خزفي كامل، وكسر كثيرة متناثرة، والواضح أن القصر مر بثلاث مراحل؛ أولاها، في العصر “الأيوبي” حيث تعرض لحريق قد يكون “المغول” وراءه، ثم سكنته عائلات فقيرة بنت جدراناً هزيلة دلت على وجودهم، ثم سُكن بعد خرابه في القرن التاسع عشر، حيث عثر على بقايا تنور، وهذه المرحلة هي الأفقر.
للمدينة ثلاث بوابات أهمها باب “بغداد” وهو من معالم المدينة واسمه الحقيقي “باب السبال” يقع في الزاوية الجنوبية الشرقية، الذي كتب الخليفة “هارون الرشيد” اسمه عليه سنة/ 180/ ه، بعد قيامه بتلبيس السور بمادة الآجر من الخارج ومن الداخل، وباب “الجنان” في الغرب مكان ساحة الساعة الحالية، وباب “حران” في الشمال، يقابله باب مجهول الاسم، قليل الأهمية، يقال إنه كان مخصصاً للخدمة ويفتح عند انحسار مجرى النهر، ولم تكن له أغراض دفاعية.
وأما باب “بغداد”، فهو واقع في الزاوية الجنوبية الشرقية وهو منشأة غير منفصلة عن المدينة والأسوار، لأنه واقع على نهاية السور الخارجي من الجنوب؛ ما جعل عالم الآثار البريطاني “كريزويل” لا يفطن إلى هذه الحالة، ولم ينتبه إليها جيداً، لكنه نسب بناء باب “بغداد” إلى زمن “المنصور”، وإن أبواب “الرافقة” قد بنيت على السورين الخارجي والداخلي بعد أن يعبر الخندق بقنطرة خشبية متحركة.
No Result
View All Result