No Result
View All Result
د. علي أبو الخير_
كل شيء يقود للسياسة، حتى رغيف الخبز هو سياسة، والفكر سياسة، فكر السلام وفكر الحرب، ونوضح فكر الدم الذي تبنّته داعش، ورغم انتصار الكرد على التنظيم الدموي، إلا إن الفكر الإرهابي لا يموت، ودائماً ما يتساءل العوام من المسلمين، عن النبع الفكري الذي يستقي منه الإرهابيون عندما يقتلون النفس التي حرّمها الله إلا بالحق، وهو تساؤل مشروع ودهشة ممزوجة بالألم، ولكن ذلك ما يحدث، عندما يجدون من يقتل المسلمين المصلين، ويفجرون الكنائس والأضرحة.
والأغرب هو قتل الغيلة، وهو ما نكتب عنه، وقتل الغيلة هو ما يكون بدون محاكمة، مجرد أن يعتبر إرهابي أن رجلاً كافراً، فيقوم بقتله غيلة، أو يقوم بالقتل بتكليف من أمير إرهابي، أو من تلقاء نفسه، وقد يكون القتل سراً، أو جهراً بتفجيرات تهز الأفكار قبل أن تقتل الأجساد.
وغالبا ما تكون التهمة هي الخيانة، وينسبون الخيانة للمعارضين من مفكرين وسياسيين، وقد مارس “قتل الغيلة” أمراء وملوك ورؤساء، وطبعاً اليوم أمراء جماعات الدم، التي تغتال الآمنين، ومثلهم الأعلى الخوارج ورئيسهم عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب.
ولكن أمراء جماعات الدم، وكل كتب الفقه والسير التاريخية، نُسبت ظلماً وعدوانا للنبي الكريم أنه “أمر” أو “وافق” على قتل الخونة غيلة، بدون محاكمة، بل يروونها في حكايات زائفة بكل فخرهم المأساوي، وبناءً على ذاك التاريخ الدامي، وفتوى القتل غيلة.
فتاوى قتل الغيلة
هان على أصحاب السير والتفاسير أن ينسبوا للنبي، أنه أمر بقتل الشاعر اليهودي كعب بن الأشرف، لأنه كان يشبب ويتغزل في نساء المسلمين، فزعموا أن النبي عليه السلام قال: “من لي بكعب بن الأشرف؟”، أي من يقتله ويريح المسلمين منه، فقال محمد بن مسلمة وكان أخو كعب في الرضاعة: “أنا له يا نبي الله”، وبالفعل قام محمد بالخديعة والمكر بإخراج كعب من البيت، ثم قتله، وزعموا أن النبي فرح فرحاً شديداً، ولأن قتل كعب غيلة مما لا يتفق مع السلوك النبوي أو الإسلامي، تخبطت التفاسير في نوع الفقه الذي على أساسه تم الاغتيال.
وبدلاً من أن ينفوا القصة كلها، ويريحونا ويريحوا أنفسهم، تفرقوا وأثاروا جدلاً فقهياً منذ القرن الأول للإسلام، تنوع الفقهاء في تبويبها كما اختلفوا في أوجه الاستدلال بها، فمنهم من أدرجها تحت باب “الحرب خدعة” ومنهم من أدرجها تحت باب “الكذب في الحرب” ومنهم من أدرجها في أبواب “العهود”، وآخرون في أبواب متفرقة من أبواب الفقه.
وهو نفس ما حدث لقتل امرأة هي الشاعرة العصماء بنت مروان، قتلها عمير بن عدى الخطمى بدون إذن النبي، قتله وهي ترضع طفلها وحولها أطفالها الصغار، وزعموا أن النبي لما بلغه مقتلها فرح، وقال “لا ينتطح فيها عنزان”، أي لا تكون على مقدار النبي فلا تنافسه، وهو أمر مشكوك فيه، لأن العصماء كانت مُشركة وتهمتها هي سب الإسلام والنبي في شعرها.
وهي جريمة لا يمكن أن تقود للقتل بتهمة الخيانة، مثلها مثل كعب، ونحن نرفض رفضاً شديداً تلك الروايات الدموية ونسبتها للرسول، أولاً لأن النبي عفا عن شعراء كثيرين هجوه في أشعارهم، مثل زهير بن أبي سلمى وعبد الله وابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب المخزومي وغيرهم، منهم من أسلم ومنهم من مات على شركه، وثانياً نجد أن النبي عليه السلام لم يوافق على أن يقوم عبد الله بن عبد الله بن سلول بقتل أبيه، رغم أن جرائم وخيانات ابن سلول أكثر وأخطر من شعر العصماء وكعب، وثالثاً وهو الأهم في تلك القضية أن الرسول عليه السلام لم يكن ليخالف القرآن الكريم، والقرآن نصَّ في عدة مواقع على أن النبي لا يخالف النص الإلهي “إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم”، وهو تأكيد التأكيد.
عقاب الخائن في القرآن
عند التأمل في الآيات القرآنية في عقاب الخائن، قال تعالى في سورة الأنفال |58: “وإمّا تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين”، وهو تشريع إلهي عندما تنشب الحرب، لأن الآية نزلت بعد آيتين/56 و57 من نفس السورة تقولان: “الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون. فإما تثقفنهم في الحرب فشرّد بهم من خلفهم لعلهم يذّكرون”.
وطبعاً الرسول المعصوم لا يخون، ولا يمكن الادعاء بأن الأمر الإلهي والتطبيق النبوي يتعارضان، مع ملاحظة أن هذا التشريع يكون في وقت الحرب، السيوف تكون مسلولة والنفوس متأججة، ورغم ذلك لا يمكن محاربة ومقاتلة ناقض للعهد إلا بعد إخطاره.
أما في وقت السلام الداخلي، فلا يمكن محاسبة شخص دون محاكمة عادلة، حتى المرتد يجب محاورته لا قتله، وإن ظل على إلحاده لا ينال منه أحد، ولا يمكن اتهام أي إنسان بالخيانة أبداً، ولو حدث يكون باب التقاضي مفتوحاً.
على العموم وللأسف العظيم، فقد تم تطبيق النص البشري الدموي دون أن يطرف للمسلمين جفن، وهم يزعمون أن النبي قتل غيلة، أليس هذا تزوير في القرآن الكريم والسنّة المُطهرة الصحيحة، بلي، ولكن قومنا لا يدركون…
No Result
View All Result