No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف ـ
بروح ثقافة الأمة الديمقراطية، اجتمعت حضارات شعوب شمال وشرق سوريا، في عرس للثقافة والفن، زين إقليم الجزيرة، فبرهن للعالم، أن شعوب المنطقة يد واحدة، تجتمع بفلكلورها وثقافتها وفنها التراثي.
اجتمعوا معاً كرداً، وعرباً، وسريان، وأرمن مبرهنين على وحدة وتكاتف شعوب المنطقة تحت راية الأمة الديمقراطية، وأخوة الشعوب، ضمن عرس للثقافة والتراث والفن، في مهرجان الأمة الديمقراطية، الذي استمر على مدار يومين في العاشر والحادي عشر من تشرين الثاني عام 2023، تحت شعار “بروح ثقافة الأمة الديمقراطية، نحمي شمال وشرق سوريا، ونضمن الحرية الجسدية للقائد عبد الله أوجلان”، وذلك تحت رعاية هيئة الثقافة في إقليم الجزيرة.
وقد زين هذا المهرجان العروض الفلكلورية والأغاني الشعبية لكل شعب، فيما تنقل الزوار ورواد المهرجان من خيمة إلى أخرى، وسط تعرف للشعوب المختلفة، فقد اختلطت الأزياء التراثية للشعوب، فوق التلة الأثرية في ناحية تل براك.
عروض مزجت ثقافة الشعوب
قدمت خلال فعاليات المهرجان عدة فرق عروضاً تراثية، مزجت الترانيم السريانية، والأرمنية مع الألحان الكردية والعربية، كل بزيه الخاص، وعروضه المميزة، التي حاكت جميعها تراث المنطقة، وأكدت على أخوة الشعوب، ورمزت للتكاتف، والوحدة التي تعيش فيها.
عروض فنية وغنائية بلغات شمال وشرق سوريا، بالإضافة لأعمال مسرحية وغنائية للأطفال، واستعراض للخيول العربية، وقد شاركت في المهرجان 14 فرقة فنية وموسيقية، وهي: “فرقة توهلدان للغناء، فرقة الشهيدة سوسن بيرهات للهلال الذهبي، فرقة أرتساخ للدبكات الأرمنية، فرقة الشهيدة ديلان، فرقة إينانا الفلكلورية للجمعية الثقافية السريانية، فرقة جودي الغنائية، فرقة الدبكات الأشورية، فرقة أصايل طبقة، فرقة كومين الدبكة، فرقة سايات نوفة للغناء الأرمني، فرقة مسرح للشهيدة دارسين الهلال الذهبي، فرقة الدبكة للشهيد جكدار عرب، فرقة الفتريا الغنائية للهلال الذهبي، مسرح كومين الجزيرة”.
بالإضافة إلى عشرة شعراء وفنانين وفنانات محليين قدموا فقرات غنائية، وقصائد شعرية، وهم: “الشاعر فرهاد مردي، الشاعر حميد طلفاح العامودي، الفنانين بيمان وكدر، الفنانين طلب وطارق، الفنانة جازية كينجو، الفنان الشاعر ميشيل فليو، الفنان باران دلبهار، الفنان مكسيموس إسحق مع كورس كورال عبد المسيح قرباشي”.
كما تخللت المهرجان عروض استعراض للخيول العربية، والجمال، وعروض تراثية، وأغانٍ فلكلورية باللغة الأم لشعوب شمال وشرق سوريا كافة، كما عُرضت مجموعة من الكتب التاريخية والثقافية، وقد شمل المهرجان عروضاً لأعمال يدوية للشعوب المشاركة.
فقد كان المهرجان غنياً بالطابع الثقافي للمنطقة، نظراً لمشاركة الشعوب كافة في شمال وشرق سوريا، الكرد، والعرب، والسريان، والآشور، والأرمن، الذين اجتمعوا في المهرجان لبيان أصالة، وحضارة الشعوب، وإظهار رونقها الخاص ضمن فلسفة الأمة الديمقراطية”.

متاحف للتراث داخل الخيام
زين المعرض أربع خيام، كل منها تمثل ثقافة شعب من الشعوب، فأوضحت الأدوات التراثية القديمة، وصوراً تعبر عن ثقافة كل شعب، وما يميزه عن الآخر.
فعند دخولك الخيمة الكردية ترى الأدوات القديمة، التي كان يستخدمها الكرد سابقاً، فيما تتزين الخيمة بمجموعة من الأدوات الموسيقية، بالإضافة إلى الألوان الزاهية من الأقمشة الصوفية المشغولة يدوياً، فقد تميز الشعب الكردي بحبه للطبيعة، ولألوانها الزاهية، بالرغم مما عايشه من ظلم وإبادة بقيت الأقمشة في زينتها شاهدة على المقاومة والصمود لهذا الشعب.
وفي أحد أركان الخيمة، تواجدت امرأة تضرب على الدف برفقة مجموعة من النساء، تصاحبها الأغاني الكردية، وبالقرب منها الأدوات الحرفية الكردية، كما حملت الخيمة لوحات نساء قرويات أظهرن حبهن للأرض.
وإلى جانبها، تتوضع الخيمة السريانية، وحينما تدخلها تشاهد الصور المعلقة على جدران الخيمة، لضحايا مجازر السيفو، فلكل صورة حكاية، فهنا الجماجم، وهناك الضحايا، وعلى تلك اللوحة رجل يناجي بقايا جسد طفله، وهنا صور للمقاومة، وصور للتماثيل الأثرية في الديانة السريانية، وقد علق إلى جانبها الزي الفلكلوري المميز للسريان، فيما امتلأت الأرض بالأدوات التراثية القديمة.
وعلى الطاولة وضعت أشهر الأكلات السريانية، وعرض منها “كتلة، وأيك، عقود، كبيبات، بلوع، قريموثي، كابولا، كرسوك، حمص قرعوني، وبرخين”، التي يراها السريان جزء من تراث السريان إلى جانب ما عرض في الخيمة.
وتتوضع في منتصف الساحة الخيمة العربية، بمجلسها المكتظ بالشعراء من نساء ورجال جنباً إلى جنب، فيما عزفت الألحان البدوية والعربية، مع أبيات الشعر، ولم تخلو أجواء الخيمة من الدبكات العربية، والزي الفلكلوري للعرب، وسراج الفتيلة، والسيوف القديمة، ودله القهوة العربية المعدة على النار، التي رافقت مجالس شيوخ العشائر، وما زين خيمة المعرض هو تواجد النساء ومشاركتهم الرجال في هذه الأجواء التراثية.
بالقرب منها، تسمع الأنغام الأرمنية، التي تخرج من الخيمة الأرمنية، التي تظهر تراث الأرمن، من أدوات قديمة، ومقتنيات تراثية، وأزياء فلكلورية، وصور لمعالم أثرية لحضارة الأرمن، بالإضافة إلى مجموعة الكتب، التي تتحدث عن الأرمن والإبادة، التي تعرضوا لها، وكما نضيرتها السريانية وضع الشعب الارمني أشهر المأكولات الشعبية على طاولة تتوسط الخيمة. كما كان هناك قسم خاص بالكتب التراثية والقديمة التي شارك فيها اتحاد مثقفي إقليم الجزيرة.
وقد عبرت الخيام عن تراث وثقافة الشعوب العربية والكردية والسريانية والأرمنية، لتصبح متاحف صغيرة تعرض رحلة الشعوب، التي سكنت المنطقة.

عرض ثقافة المقاومة
وداخل الخيمة الكردية، التقت صحيفتنا عضوة مجلس المرأة في ناحية تل براك “منجي سالم خالد“، والتي تحدثت عن الخيمة الكردية، التي شارك فيها الشعب الكردي: “لقد أردنا اظهار مكانة وجمال طابع المرأة في الخيمة، فألوان الطبيعة زينت الأعمال اليدوية المعروضة، وما يجملنا نحن الشعب الكردي حبنا للحياة، وجمال ألوانها”.
فيما قدمت الفرق الكردية عروضاً خاصة بالمرأة، كفرقة الشهيدة سوسن من ناحية عامودا، عبرت من خلالها عن المقاومة الممزوجة بالثقافة، فقد التقت الفرق العربية والكردية والسريانية على خشبة واحدة، بينت منجي، أنها ليست المرة الأولى التي تلاقت فيها شعوب المنطقة، وتراقصت على ألحان الأمة الواحدة فقد أظهرت تراثها بكل فخر دون خوف من الاضطهاد، ودون تشويه للثقافات الأخرى، وقالت: “لقد اجتمعت هذه الشعوب لتكون كياناً واحداً، ففي هذا المهرجان زادت معرفة الشعوب بثقافة الآخر، وتشاركوا الغناء والرقص على أنغامهم المتحدة”.
وترى عضوة مجلس المرأة في ناحية تل براك “منجي سالم خالد” في ختام حديثها أن هذا التكاتف الذي يظهر روح المقاومة، التي وصلت إليها شعوب المنطقة سيحرر القائد عبد الله أوجلان: “بروح المقاومة، التي تغذت بها أغانينا وتراثنا سنضمن الحرية الجسدية للقائد أوجلان”.

نتاج وحدة الشعوب
أكدت الشعوب المشاركة في المهرجان أن ثقافة الأمة الديمقراطية، وتكاتف شعوبها في الحفاظ على تراثها، واحترام الشعوب الأخرى سيضمن الأمن في مناطق شمال وشرق سوريا، فهذا التنوع الحضاري، والاندماج التراثي، رسم فسيفساء تزينت بألوان الشعوب.
فعلى الأنغام العربية البدوية نظمت الأشعار التي تحاكي وحدة شعوب المنطقة، وقد حدثنا الشاعر العربي “طالب الناظر“، عن المزيج التراثي والحضاري في المهرجان، فقال: “لقد عشنا في مناطق إقليم الجزيرة كروح واحدة منذ زمن، إلا أن السياسات الاستعمارية والسلطة، حاولت تفرقة هذا النسيج الاجتماعي الفريد، واليوم نحن نحيي ثقافة الأمة الديمقراطية المتنوعة لأول مرة، ففي جميع المهرجانات والفعاليات كانت تشارك جميع الأطياف والأمم إلا أنها اليوم تتنافس بعراقتها التي تزين أحداها الأخرى”.
وعن هدف المهرجان كما بين الناظر: “لقد كان المهرجان رسالة واضحة لكل القوى العدوانية، التي تهاجم المنطقة وتحاول زرع الفتن بين شعوبها، بأننا شعب واحد، يعيش جميع مكوناته على هذه الأرض ويمارسون طقوسهم وعاداتهم وتقاليدهم دون أن يتعدى شعب على الآخر، بل يتشاركون في الأفراح والأحزان”.
المشاركة العربية كانت متميزة ببساطتها، وعروضها، التي روت جزءاً من تراث الجزيرة، والحياة البدوية العربية، وأشار الناظر إلى أن الشعب العربي قد زين أجواء المهرجان، بعراقته المميزة، وفلكلوره الأصيل، إلى جانب الشعوب الأخرى: “مهرجان الأمة الديمقراطية الأول نتاج مقاومة دامت لسنوات، ومازالت مستمرة حتى تتحقق الحياة المشتركة، التي نطمح إليها”.
فيما اختتم الشاعر “طالب الناظر” حديثه بأن مهرجان الأمة الديمقراطية قد برهن أن للثقافة دوراً في المقاومة، وكل شعب أظهر مقاومته بطابعه الخاص، الذي امتزج مع شعوب المنطقة الأخرى، دون أن يطغى عليها: “هذا المهرجان كان عرساً ثقافياً للشعوب، فنسمع الألحان العربية ترافقها الكردية لتزينها السريانية، وتجملها الأرمنية، كل بنغماته وكلماته الخاصة”.

لوحات توثق الماضي
فيما استذكر الشعب السرياني من خلال اللوحات المعلقة داخل خيمته مجازر السيفو بحقه، وقد بينت عضوة الاتحاد النسائي السرياني “صباح شابو“، أن المهرجان التراثي الثقافي قد أقيم لتعريف أن للمقاومة عدة أشكال، والحفاظ على الماضي العريق، وإظهاره للعالم أكبر دليل على مقاومة هذه الشعوب، وبعد هذا المهرجان تمنت صباح: “أصبحنا نتطلع لغد مشرق متكاتفين مع إخوتنا من الأطياف والقوميات في هذه الجغرافيا”.
وترى صباح، أن الشعب السرياني ولد على هذه الأرض، إلا أن تراثه قد تعرض للنهب، والتشويه، فيما قتل أطفالهم، ونساؤهم، ورجالهم، ضمن مجازر أدمت القلوب، واليوم وفي ظل الإدارة الذاتية، يعود الشعب السرياني ليمارس طقوسه، وتراثه، ويحي فلكلوره، وفنه من جديد، وقالت عضوة الاتحاد النسائي السرياني “صباح شابو”، في ختام حديثها: “لقد علقنا اللوحات التي وثقت ما تعرض له الشعب السرياني من ظلم، فهي جزء من تراثنا، فنحن نفتخر أننا أولاد هذه الأرض وقد سقيناها بدمنا، وبتكاتفنا نظهر ضمن المهرجان جمال ثقافاتنا”.
كما اكتظت الخيمة الأرمنية بالزوار من الشعوب كلها، لتُعرف الشابة “نور حسون“، وصديقاتها بتراث الأرمن، فتقف لتشرح للزوار معاني وأهمية القطع الأثرية، فتحمل القطع الصغيرة كأنها كنوز من ذهب، وهي تحكي قصصها، وحدثتنا عن مشاركتها في المهرجان: “لقد كنت أحضر لهذا المهرجان بكل حب، وعندما أرى الشعوب الأخرى ترقص على أنغام الدبكات الأرمنية، وتتأثر بالقصص التي ترويها رقصات فرقنا، أشعر بالفخر بما قدمنا من تراث، فقد بذلنا جهداً كبيراً، ليتعرف العالم على الشعب الأرمني أكثر”.
وقد وقفت نور، ومع العديد من النساء تزين مائدة المأكولات الشعبية في الخيمة الأرمنية، وبينت نور أهمية هذه المأكولات للشعب الأرمني: “إنها جزء من التراث، وقد قدمناها في المهرجان لنعرف الشعوب الأخرى على مأكولاتنا المميزة”.
وما ميز مشاركة الشعب الأرمني والسرياني عن الشعب العربي، والكردي أن ماضي المجازر المرتكبة بحقهم كان حاضراً في المهرجان، فوثقت اللوحات المعلقة في كلتا الخيمتين ماضيهم العريق والدامي.

No Result
View All Result