آراس بيراني_
الكتابة إنجاز وإبداع، وهي إنشاء، وتعبير سواء كانت في الشعر، أو الرواية، أو القصة، وربما كانت قصص الأمثال والحكايات القديمة من مدونات التراث حاملة للفكر والحكمة، وكُتبت أصلاً للعبرة وأخذ الموعظة، فهي أيضا تمتلك البنية المرنة، تضم النصح، والحذر، والتجربة، وأيضاً لها الجانب الترفيهي أو التدويني التاريخي كحالة توثيقية لحادثة ما من جانب ما. ولهذا فهي جنس أدبي مستمر وسيستمر، ولكنه جنس يضطر إلى تغير جلده باستمرار، ويبقى الجوهر هو الغاية، التي من أجلها كان القص والسرد، والقاص القديم كان حكيما ومفكرا وفيلسوفا، وليس من الشرط أن يكون راويها فارساً أو مفكراً، فالرواة هم أدوات، أما المنتج للفكر فهو الأساس، وهنا تكمن الشجاعة، فالممثل الذي يؤدي دور محتال أو دور رجل شجاع ليس بالضرورة أن يكون محتالا، أو شجاعاً، لكن هناك دوما نص جريء، أو فكر شجاع أو نص رديء متخاذل.
عموما القصة تمتلك مساحة قول ما يمكن أو لا يمكن قوله. وهي جنس أدبي له أهميته وروداه وجمهوره وضرورته. والكاتب ينطلق بلغته التعبيرية يكتب نفسه أولا، ولا أعتقد أنه يكتب لتأدية وظيفة الاستمرار، إلا إذا كان موظفا ضمن تشكيلة إعلامية منوطاً به الكتابة والتأليف لأجلها، عموما الكتَّاب ليسوا موظفين وليسوا كتبة عرائض، فالكاتب الحقيقي، الذي نقصده تأكيداً يختلف عن الـ (عرضحالجي) الذي يعمل وفق ما يطلبه الآخر منه.
فلكل من الإبداع وإنتاج النص طرائقه ومناهجه، وليس ثمة سباق أو تنافس بين حوامل الكتابة ومحمولات النقد، فليست الكتابة الإبداعية والكتابة النقدية في معرض التنافسية، فالروائي ليس همه التفوق على الناقد، وإنما هو يكتب للقارئ، أو بمعنى أصح أنه يكتب لنفسه بالدرجة الأولى، أما الناقد فكتاباته منذورة للقارئ وموجهة للمتلقي، وهو لا يبحث ويقرأ ويكتب من أجل المؤلف، وإلا كان أرسل ما يريد إخباره عن رأيه عبر البريد، وليس عبر النشر في الصحافة والكتب.
النقد حقل إبداعي آخر يكمل الحالة الكتابية، ويمارس حالة توثيقية إضافة إلى ممارسة عمليات التحليل والتركيب وإعادة التفكيك ومنح القارئ مفاهيم أكثر توغلاً وإيضاحاً، لأن إحدى مهام النقد خلق جسر للعبور من عتبات النص وأعماقه إلى ضفاف، وموانئ للانطلاق بالفكرة نحو أفاق رحبة.
يبدو لافتاً أن الكتابات النقدية حول الشعر قد شهدت نوعاً من التراجع على المستوى الكمي خلال السنوات الأخيرة، حتى أمكن القول: إن غياب النقد التخصصي للشعر غدا ظاهرة، وهو أمر يدعو إلى التساؤل حول الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، خاصة أن الأجناس الأدبية الأخرى تلقى في الوقت نفسه اهتماماً كبيراً، وخاصة الرواية، وقد لا يكون من السهولة بمكان رصد مجمل أبعاد هذه الظاهرة، فجزء من واقع النقد رهن بالمؤسسة الأكاديمية، ورهن بواقع المشتغلين في الحقل النقدي، وربما بواقع سوق التأليف والنشر حيث لا يختلف أحد على أن توزيع الكتاب الشعري قد تراجع قياساً إلى توزيع الأعمال الروائية، وبالتالي فإن الإقبال على نقد الرواية قد شهد نوعاً من الانتعاش، بينما انكمش النقد الشعري.