أحمد بيرهات: (كاتب وباحث ورئيس مشترك لمنتدى حلب الثقافي) _
عندما نبحث عن الأسباب الكامنة وراء استهداف القائد أوجلان لابد علينا أن نرجع قليلاً إلى الوراء، ونسأل السؤال التالي: لماذا تم استهدافه، وأسره، وتحويل جزيرة وسجن إيمرالي إلى ما يشبه “التابوت” (لصعوبة العيش فيه)؟
لا يخفى على أحد من المهتمين بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم، أن كل دولة مؤثرة على المستويين الإقليمي والدولي لها مشروعها الخاص الداخلي وامتداداتها الخارجية، أو التوسعية والهيمنية.
فكما لإيران مشروعها التوسعي، التي تتخذ المذهب الشيعي أساساً. كذلك لتركيا مشروعها “الميثاق الملّي” و”العثمانية الجديدة”، أي تتخذ من تركيبة الثنائية الملّية العثمانية أساساً وتمارس سياساتها الداخلية والخارجية وفق ذلك.
– وروسيا لديها مشروعها الأوراسي للوصول إلى المياه الدافئة ولأمريكا ونظامها العالمي الجديد.
تم إحياء وإظهار هذه المشاريع بشكل أكثر كثافة بعد فشل، وانتحار المشاريع القومية بإسقاط رئيس صربية ميلوسفيتش، ووفاة الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، وإعدام رئيس العراق الأسبق صدام حسين، واندثار وضعف التجربة اليسارية في الاتحاد السوفيتي، وفي غالبية مناطق وأصقاع العالم.
يلاحظ أن هذه المشاريع، والأحداث، التي تمخضت عنها، قد أظهرت أن الهدف الأساسي لكل هذه الدول هو العمل على الإنسان لتنفيذ مشاريعه عبر تحويله إلى الروبوت لخدمة أجنداتهم كما يريدون، والحفاظ على مصالحهم من خلال توازنات وإرضاخ الدول الضعيفة والشخصيات، التي تنتجها أنظمتها.
مقابل هذه الأنظمة طرح القائد أوجلان مشروع واضح المعالم يخدم المجتمع، وله إطار اصطلاحي ونظري عمل عليه وطوره في سجنه، واتخذ له اسماً سماه “بالعصرانية الديمقراطية” والذي يستند في جوهره إلى ثلاث مرتكزات أساسية، وهي التأكيد على ضرورة قيام مجتمع سياسي، وأخلاقي، وبيئي مفعم بالديمقراطية، ويتجاوز الجنسانية، ويعتمد على ثالوث:
الأمة الديمقراطية، وشبه الاستقلال الاقتصادي، والصناعة الأيكولوجية، وما زيادة الضغوطات والإجراءات المشددة، التي يتخذها المسؤولون في سجن إيمرالي ضد القائد أوجلان (منظمة الغلاديو، والدول المشاركة في الأسر) إلا لإضعاف هذا المشروع الديمقراطي الرائد في المنطقة، وهذه النظرية التي يمكن أن نشبهها بالانطلاقة الثقافية والفكرية في عصر النهضة والتنوير الأوروبية في القرن السادس عشر.
فالقائد أوجلان رفض الرضوخ للمشاريع الأمريكية والبريطانية، ودول الهيمنة الإقليمية ولم يكتفِ بذلك بل طرح البديل لهذه المشاريع وفق مفهوم العيش المشترك بين الشعوب ومكوناتها الأساسية، التي حُرمت من أبسط مقومات العيش، والحياة الكريمة الطبيعية والروحية، وأسس وفق ذلك براديغما فكرية ودفاعية منظمة، وأعتقد أن هذا ما دعاهم (دول الهيمنة) بأن يتفقوا فيما بينهم على أسر هذا القائد، والمفكر المؤثر، الذي يشكل عائقاً أمام تنفيذ المشاريع، التي لا تخدم شعوب المنطقة، من خلال مؤامرة أسره في كينيا، مكان آكلي لحوم البشر، لغاية الوقوف في طريق ما يطرحه القائد أوجلان من حلول مضادة ومناهضة المشاريع التي تستهدف الشعوب، فهذا المشروع الواضح والصريح في منطلقاته النظرية والفكرية يعمل على ترسيخ قيم يعتمد على الكونفدرالية الديمقراطية بين شعوب المنطقة، لذلك ليس غريباً وعجيباً ما يقوم به الغلاديو والدولة العميقة من تمديد حالة العزلة، والتجريد والحرب النفسية ضد القائد أوجلان، فقد تحول القائد أوجلان وحركته التحررية، ومجلداته الخمسة (مانيفستو الحضارة الديمقراطية) إلى الأطروحة المضادة لهذه المشاريع، ومن هنا أيضاً يكمن السر في الإجماع على فرض العزلة والإجراءات الصارمة بحقه، كما مر معنا، والتي تنافي المعايير والمقاييس والمبادئ الحقوقية والسياسية والأخلاقية، وشن الهجمات على كل من له صلة بفكره وفلسفته، وأي مؤسسة مرتبطة فكرياً وتنظيمياً بهذه المنظومة المجتمعية الكبيرة، وشن الهجمات الاحتلالية في كل أماكن تواجدهم وخاصة مناطق الدفاع المشروع ميديا وروج آفا عبر ضرب التجمعات السكانية، ومحاولة خلق فوضى بين السكان عبر بث الإشاعات، وإضعاف تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا من خلال خلق عدم الثقة ما بين هذه الإدارة، والشعب اللذين يعيشان منذ أكثر من عشر سنوات في تلاحم قل نظيره في تجارب الثورات بالرغم من هجمات الدولة التركية وعلى الصعد السياسية، والعسكرية والدبلوماسية، عبر وسائلها في الحرب الخاصة والإجراءات الفعلية من الحصار المفروض على مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية من خلال إغلاق المعابر، التي توصلها بالمناطق الأخرى، وهذا ما يشكل السبب الأبرز لإطالة حل الأزمة السورية، وقضايا التحول الديمقراطي في المنطقة عامةً، وتموضعات هذه الدولة في الآونة الأخيرة تشير إلى ذلك، وبشكل فج.






