عبد الرحمن ربوع_
يعاني السوريون، أو ساستهم من أزمة العجز عن بلورة أو صياغة، أو إنجاز “حوار وطني”. وهي أزمة ممتدة لعقود. عقود لم يعرفوا خلالها حلولاً أو بدائل سياسية، إلا الدكتاتورية ومصادرة الرأي والحجر على الآخر، وتغييب الحوار.
وفيما بدت المعارضة “متجانسة” أحزاباً وأفراداً، وغير محتاجة إلى هذا “الحوار” فيما بينها، وكذلك السلطة وملحقاتها من أحزاب وتجمعات (نقابات وهيئات)؛ ظل الحوار صيغة مقبولة ومطلوبة لبناء جسور تفاهم، وعمل بين السلطة والمعارضة طالما أنه لا بدائل دستورية أو قانونية لإجراء إصلاح سياسي، أو إيجاد شكل من المشاركة الوطنية في السلطة بين الطرفين، وإنهاء احتكار الأمنيين للسلطة. الاحتكار، الذي أوصل البلد إلى حالة ميؤوس منها من الفشل والفساد، والاستبداد، والانهيار الاقتصادي، والاجتماعي، وانعدام كرامة المواطن داخل بلده وخارجها.
ومن الإنصاف بمكان ذِكر بعض صيغ الحوار، التي كانت ومازالت دارجة في سوريا. حيث يضطلع القادة الأمنيون، سواء داخل سوريا في مقراتهم، أو خارج سوريا في سفاراتهم، بإجراء أشكال من الحوار سواء مع معارضين أو غير معارضين، غالبًا ما تكون جلسات استماع واستنطاق وإملاء. مع مراعاة أن البعض يصنفها حوارًا، فيما يصنفها آخرون زيارات أو لقاءات لغرض شرب القهوة!
إنه حوار من طرف واحد يُملي على الطرف الآخر ما ينبغي له أن يعتقده، وأن يقوله وأن يفعله. أو هو هامش من تبادل المعلومات، وفرض الإملاءات. كما أنه تنازل كبير من قِبَل طرف يملك إمكانيات إقصاء الطرف الآخر، وتغييبه في عتمات السجون عشرات السنين، وبأعداد تصل عشرات الآلاف دون أن يكون في حرج من الذهاب إلى حد تغييب الآخر للأبد. ويرى أنه حين “يشرب القهوة” مع الطرف الآخر ليستنطقه ثم يملي عليه قائمة من النصائح له، ولمن حوله فإنه يقدم الكثير، ويضحي بالغالي والنفيس.
لكن إلى متى؟ إلى متى ستظل السلطة متمترسة في برجها وخلف أسوارها، وهي ترى بعينَي رأسها الشعبَ قد هجّ من البلد، بعد أن صارت قاعًا أجردَ، وصارت مبانيها ركامًا وحقولها رمادًا؟ ألا يوجد من عقلاء يذعنون أخيرًا إلى حوار حقيقي، ينتج حلا وطنيًا وفق مرتكزات يُجمع الجميع عليها ولا تحتاج أكثر من إحساس، وإنْ ضئيل، بمسؤولية تاريخية أو وطنية أو إنسانية؟ إلى متى سيظل من هم في موقع المسؤولية بعيدين كل البعد عن أداء واجبات مسؤولياتهم، وكأنهم قوة احتلال غاشم ليس له وظيفة إلا الهدم والتخريب ونهب الثروات، وإجبار الشعب للهج، وإيصال البلد إلى الحضيض.
ما المانع من إجراء حوار، حيث أن القوى السياسية، وقوى الأمر الواقع كلها متفقة على كل ما يمكن اعتباره مرتكزات أساسية، ما فوق دستورية يمكنها التأسيس لحالة سياسية تنهض بالبلاد من تحت الركام، والرماد، وتسمح للشعب بالعودة؟
أليس الجميع متفق على حتمية مبدأ وحدة الأرض السورية ووحدة الصف، ووحدة المسار، ووحدة المصير، ورفض الاحتلال؟ أليست الهوية السورية الوطنية الجامعة المبنية على المواطنة الحرة المتساوية والطوعية مظلةً عُليا تظلل الجميع؟ أليست حيادية الدولة تجاه العِرق، أو الدين، أو الجنس في المجتمع السوري مطلبا لجميع السوريين؟
ألا يمكن للسوريين الاتفاق على أن الثروات الوطنية، هي مُلك لهم جميعا تُوزّع على أسس العدالة والشفافية؟ ألا يمكن لهم أن يتفقوا على إرساء مبادئ الإنسانية، والعدالة، والحرية والمساواة في حوارهم، وإعادة صياغة عقدهم الاجتماعي ودستورهم وقوانينهم؟
إلى متى سيبقى الآخر غير مقبول عِرقًا وثقافةً ودينًا؟ إلى متى سيبقى الآخر منبوذًا اجتماعيًا وسياسيًا؟ إلى متى ستبقى المركزية الأمنية المتوحشة تنهش الوجود السوري بمخالب الفساد، والاستبداد، والاستعباد، والاستبعاد؟ إلى متى ستظل سوريا بيتًا بلا سقف لأهله وأصحابه؟ إلى متى سيظل الحوار، مجرد الحوار، حلمًا بعيد المنال؟