عبد الرحمن ربوع_
لا يمكن حصر مآسي سوريا والسوريين خلال العقد المنصرم، أو الاثنتي عشرة سنة الفائتة، إنها مآسٍ لا تُعدّ ولا تُحصى. حتى إن لكل سوريٍ مأساته أو مآسيه الخاصة، لكن ما يلفت الانتباه مصيبة جماعية فريدة من نوعها طريفة في بابها وهي مصيبة “مسميات” الكيانات والتجمعات المدنية والعسكرية، التي ولدت أو توالدت خلال الفترة المذكورة.
إن الزلزال السياسي الذي هز البلد بخروج المظاهرات، التي نادت بالتغيير في معظم المدن والقرى السورية، وكذلك حالة الفوضى واللايقين، وردّ الفعل القاسي من أجهزة الدولة، وأيضا الحالة العبثية التي أوصلت بعض الشخصيات إلى مكانة غير مستحقة، وتسلق بعض السياسيين على تضحيات الحراك الشعبي، وكذلك إقصاء أصحاب الفكر وأهل الإدارة، وقمع أصوات العقل والحكمة، كل ذلك أسقط البلد في بئر عميق من التشتت والضياع إلى درجة تخريب أي مكسب وتضييع كل تضحية.
فما من “اجتماع” إلا خلّف الافتراق والتشرذم، ووصل حد العداوة والاقتتال والتحارب، وما من مؤسسة رفعت شعار “التغيير” وحملت اسمه، إلا وكانت عاجزة عن تغيير مسؤول من مسؤوليها أو موظف من موظفيها، وما من مؤتمر إلا وكانت بلاويه وأضراره أكثر من فوائده. وما من تنسيقية ميدانية إلا وكانت تفشيلية وتخريبية. وما من رابطة مهنية أو فئوية إلا وكانت مفكِّكة ومجزِّئة. وما من حزب أو تيار أسسه ناشط مع زوجته وأقاربه وجيرانه إلا وتشظى وتحوّل لعدة أحزاب خلبية، ولم يبق منه إلا صفحة مهجورة في فيسبوك.
ولما أسسوا مجلسًا جامعًا، وممثلا للثورة ومنحوه صفة “الوطني” خرجت النتيجة ممسوخة فلا جَمَعَ ولا مثَّل، ولا كان وطنيًا؛ بل مرتهنًا للدولة التي مولت ودعمت بعض الأسماء القابلة للمساومة، وأضافوا بعض الأسماء لتكملة الديكور، وكان مشروعًا يائسًا لم يحتمل البقاء لعام واحد، ثم أردفوا بائتلاف سياسي ثوري “جامع”. أيضا ولد خديجًا مبسترًا، واستمر على أمل الإصلاح والتطوير والتحديث، لكنه مع الوقت تحول عبئًا على الثورة والمعارضة والشعب السوري كله، ولم يفعل شيئًا إلا تأمين فرص عمل لبعض الوجهاء العاطلين عن العمل على حساب ملايين النازحين في الخيام.
حتى منظمات الإغاثة والتطوع لم يكن لها من اسمها نصيب، فمعظمها لا علاقة له بالإغاثة ولا بالتطوع، وهي مجرد دكاكين “باب رزق” و”سبوبة” لمتطوعيها الذين يقبضون ميزانية تزيد بأضعاف عن ميزانية المساعدات التي تقدمها لمستفيديها، فلا إغاثة أوصلوا ولا تطوعًا بذلوا.
ثم الطامة الكبرى في المجموعات المسلحة التي لبست مسوح الثورية، ثم ما لبثت أن تحولت إلى مجموعات إرهابية وشركات تورّد مرتزقة، ثم لملمت شتاتها في جيش تحت عنوان “الوطني”، ورهنت ولاءها لدول لها عداء تاريخي مع الشعب السوري، وارتكبت ومازالت ترتكب أبشع الجرائم بحق السوريين كل يوم.
وهذه الخطايا ليست حكرا على المعارضة فقط؛ بل للنظام نصيبه منها ونصيبه أكبر وأقدم وأخطر، فرغم كل الاستعدادات والاحتياطات، ورغم كل الكفاءات والقدرات، ورغم المساعدة الدولية منقطعة النظير عبر التاريخ (لا يوجد نظام في العالم حظي مثلما حظي النظام السوري من دعم سياسي وأمني وعسكري واقتصادي ومالي). أيضا وقع في أخطاء كارثية، فلا هو سيطر على الحراك السياسي الشعبي، حيث لا تزال الملايين من السوريين يعارضوه وخارجين عن سيطرته، ولا هو صان البلد وحماها من التقسيم؛ بل ارتكب أكبر جرائم التغيير الديمغرافي لأجل تأسيس كانتون خاص به يؤوي مؤيديه ويقصي معارضيه، وضرب حدودًا لهذه المنطقة وزرع قواته حولها لمنع أي محاولة تعيد للبلد وحدتها إلا تحت سيطرته، ولم يكلف خاطره، ولو للحظة، أن يتحمل مسؤولية وطنية وتاريخية تحفظ للبلد وحدتها وسيادتها، ويُعيد للشعب حقه في أن يختار قيادته ونظامه، بل على العكس رفع شعارات تدعو إلى تخليده….