No Result
View All Result
أحمد بيرهات (كاتب وباحث ورئاسة مشتركة لمنتدى حلب الثقافي)_
خلال نضاله، الذي يناهز نصف قرن بات القائد عبد الله أوجلان يجسد في منظومته الفكرية، سياسة مناهضة للنظم المركزية من خلال نظريته “العصرانية الديمقراطية” فقد عمل على إرساء وتشكيل نظام مجتمعي منظم وتعددي من خلال طرحه لمشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، وعقد اجتماعي واضح المعالم يتم من خلالها التوزيع العادل للثروة، أفكار هذه النظرية والأطروحة باتت تناقش في كثير من المحافل الإقليمية والدولية الداعية لتحقيق السلام وتجاوز مفاهيم ومرتكزات الحداثة الرأسمالية أي القوموية – الصناعوية والرأسمال المالي، لقد بات القائد أوجلان رمزاً للشعوب في عمله الفكري والتنويري، والذي يعمل لتأسيس المجتمعية وتتخذ السوسيولوجية المجتمعية الداعية للحرية أساساً، وأخذ حيزا كبيراً وواسعاً وفي تبادل الرؤى، من خلال تشخيص القضايا والظواهر بشكل وأسلوب تتخذ المنهج التاريخي والفلسفي والعلمي ركناً وإعادة تعريف المصطلحات، والإطار النظري مبدأ لا عنى عنها وتسخيرها في حل المعضلات والمشاكل، التي أنتجتها الحداثة الرأسمالية وإلحاق الضرر بالبيئة والطبيعة (الإيكولوجيا) من خلال “لبرلة” (ليبرالية) كل شيء، فقد لاقت أفكار القائد أوجلان الكثير من التأييد لدى المؤسسات والقوى والأحزاب اليسارية الخضراء وكل المؤمنين بالفكر الاشتراكي والديمقراطي وسيلة لتحقيق هدفهم الإنساني.
فالقائد أوجلان يخوض نضاله على المستويين الفكري والسياسي كصيرورة نضالية وجودية من خلال عناصر متعددة، ووسائل سلمية ودفاعية وحقوقية ودبلوماسية واقتصادية، وعلى كل الصعد والمستويات الداخلية والخارجية، وتوصل إلى حقيقة مفادها، أنَّ السلام في الشرق الأوسط بحاجة إلى حل القضايا الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، وفي مقدمتها حل القضية الكردية من خلال تجاوز مفهوم وصيغة الدولة القومية التي اتخذتها الحداثة الرأسمالية كدين وركيزة أساسية لها.
وهنا أريد أن أذكر قراءنا الكرام:
أن القائد أوجلان قد حصل في عام 2013 على مرتبة مرموقة من بين المائة شخصية الأكثر تأثيراً في العالم بحسب مجلة تايمز الأمريكية، كانت نتيجة الانطلاقة الفكرية الثانية للقائد أوجلان من إيمرالي، فقد نال قدراً كبيراً من الاحترام والقبول لدى الرأي العام في الشرق الأوسط والعالم ولا سيما أنصار السلام والحرية والمناديين بالحلول المستدامة والتيارات والأحزاب البيئية الخضراء والمنظمات والحركات الفامينية، وباتت رؤية القائد أوجلان تطرح في كثير من المنتديات والمؤتمرات الدولية التي تُعقد في كثير من البلدان، وآخرها في تونس وشعار المرأة الحياة الحرية، التي باتت شعار القرن الواحد والعشرين، وتعدُّ خلاصة أفكاره بما يخص المرأة الطبيعة والحياة.
فالقائد أوجلان لا يُغيب التطورات الحاصلة في العالم والاكتشافات العلمية وتتواجد بكثافة في أفكاره ورؤيته في حل القضايا وخاصة بما يتعلق بعلم الكوانتوم والصيرورة المجتمعية وثنائية الطاقة والمادة. وخلال مواكبة هذه التطورات ونظام العولمة المهيمن، اختلفت طريقة وشكل الحل لدى القائد أوجلان، ففي مواجهة العولمة الاحتكارية للحداثة الرأسمالية المرتكزة على القوموية والصناعوية والرأسمالية (رأس المال المالي) طرح في مواجهتها العولمة المجتمعية تحول إلى نظرية فكرية (العصرانية الديمقراطية) المرتكزة على الأمة الديمقراطية والصناعية الإيكولوجية وشبه الاستقلال الاقتصادي (الاقتصاد الاجتماعي).
لقد لعب القائد أوجلان دور الضامن لأي تطورات من طرف الكرد وخاصة في باكور “شمال كردستان” وتأثيره الكبير على روج آفا إضافة إلى روجهلات وباشور “شرق وجنوب كردستان”، وبعد التطورات التي سميت بالربيع العربي بدأ تأثير أفكار القائد أوجلان يتوسع أكثر مع صدور مؤلفاته الضخمة “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” بمجلداته
الخمسة، أثَّرت أفكار هذه المجلدات على تركيا وكردستان والشرق الأوسط، بشكل كبير لما يتضمن في مضمونها وجوهرها من عمق في التحليل ووضع الحلول للمسائل المستعصية في العالم، وليس عبثاً اتخاذ قرار العزلة بحق القائد أوجلان في بداية الأزمة الكبرى في الشرق الأوسط عام 2011، وهذا ما يذكرنا بالضبط بالقرار الذي اتُخذ في مؤتمر القاهرة عام 1921 بعدم حل القضية الكردية وأن تكون سبباً لخلق الأزمات في المنطقة، وأي فكر يتجه لحل القضية الكردية يتم مواجهتها ونسفها من أساسها.
على الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها القائد أوجلان في سجن إيمرالي غير أنه لا يمكن إغفال مدى فطنته وذكائه ودوره التنويري الكبير في التعبير عن الثقافات المختلفة والمتعددة المتعايشة مع بعضها البعض منذ آلاف السنوات، وفي مراحل متعددة ومن خلال المخاضات والصراعات التي أثارتها وشجعتها النظم والهرميات المدنية.
يُعد القائد أوجلان أحد “الفرسان الأبطال” والذين رفضوا سياسات الإنكار، والمحو بحق الكرد والشعوب المضطهدة عبر فكر وفلسفة ثورية وواقعية، أُسست وفق خصوصية الاعتماد على الذات في كافة المجالات التنظيمية والسياسية والدفاعية وهو في هذه النقطة يشير ويؤكد إلى أنَّه بعكس مصطفى كمال أتاتورك، الذي اعتمد في كل شيء يفعله على الدولة، فهو عمل كل شيء بواسطة “الشعب” فإلقاء اللوم والذنب على ماضي برمته أمر خاطئ وإنَّ حفاظه على المضمون حياً نابضاً ومحقاً إنما يشكل الوجه الآخر للحقيقة.
فقد اتخذ القائد أوجلان من الشخص السوي والجدي والمستقيم أساساً، ليس له أفق قومي أو طائفي ضيق أو حتى طبقي ضيق، شخصية تناضل لأجل الشعب متجاوزة للترسبات العشائرية، وبالتأكيد هذا الشخص لا يمكن أن تنتجه المدارس والأكاديميات فهذه مسألة أوسع من حدودها إنها مدرسة حرب وفكر “حرب على كل الجهات”، يمتلك القائد أوجلان كاريزما خاصة به من خلال المرونة السياسية التي يمتلكها، وفكراً خلاقاً نادراً ما نجده في القادة الكرد الآخرين.
قراءة وفهم وإدراك مرافعات ومانيفستو الحضارة الديمقراطية للقائد أوجلان يحمل أهمية وجودية بالنسبة للكرد وشعوب المنطقة للوقوف في وجه كل السياسات التي تم استخدامها بفعل الثورة الصناعة الاحتكارية الغربية وتجاوز الذهنيات القروسطية ووضع عنوان عريض لهذه المرحلة تشكل خطوة متقدمة إلى الأمام وفق أسس تفرز معطيات علمية فلسفية وإيكولوجية تبدع سوسيولوجية حديثة.
فالمستقبل أمامنا مشرق، وهنا أحب أن نضم صوتنا إلى صوت المفكر الأمريكي المعروف موراي بوكتشين الذي أسس للإيكولوجية المجتمعية عندما قال قبل وفاته بقليل: “أمنيتي هي أن يتسنى للشعب الكردي يوماً أن يقيم مجتمعاً حراً رشيداً والذي سيسمح لتألقهم بالازدهار مجدداً، هم محظوظون بالفعل لأن لديهم قائداً صاحب ملكات (ذكاء ومهارة) كالسيد أوجلان لقيادتهم”.
ما أريد أن أقوله في هذا المقال المقتضب:
أن القارئ لكتب القائد أوجلان لا يمل من الثراء الفكري الذي تقدمه. تتضمن كتبه خصوصية التعمق في التاريخ والفلسفة، بالإضافة إلى تشخيصه المتقن لمفهوم السلطة والرأسمالية.
في هذه الكتب، يعرض القائد أوجلان نظرته الفريدة لسبل الوصول للديمقراطية وتحقيق المساواة من خلال ما كتبه في مجلداته “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” يطرح من خلاله تحديات حادة لهيمنة الرأسمالية، وفك الغازها وشفراتها ويستعرض ضرورة تقييمنا للسلطة ومفهومها بطريقة سوسولوجية مبدعة، ويبرز أهمية إشراك المرأة والاستفادة من قوتها الفريدة في بناء المجتمعات.
ومن خلال قراءة كتب القائد أوجلان، يمكننا اكتشاف فلسفة رائعة تعزز التعاون والعدل في المجتمع. إنها فرصة للتعلم المستمر وتطوير الوعي الذاتي. فالكتب تفتح الأفق لتحقيق مجتمع يتسم بالتسامح والعدل، وترفع القيود المفروضة على المرأة والشعوب والمكونات الطبيعية والإنسانية ومن خلال هذا المقال أدعو القرّاء الكرام لينضموا لرحلة الاستكشاف الفكري ومعرفة المزيد عن جوهر ما يطرحه القائد أوجلان في كتبه فقراءة هذه الكتب ستمنحنا فرصة لتطوير آرائنا وفهمنا السياسي والاجتماعي، كما ستعزز قدرتنا على التفكير بشكل نقدي والمشاركة في بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة وبروح متحضرة ومفعمة بالمعرفة، لنعبّر عن أنفسنا بحرية ونسعى لتحقيق عالم أكثر عدلاً وحياة تستند إلى قيم الحرية والمساواة ولنستلهم روح القائد أوجلان ونعيد تعريف مفهوم الديمقراطية والحقوق والعدالة عبر حدثتها و عبر عصرنتها.
وسوف نتوصل في هذه الرحلة القيمة، إلى اكتشاف مدى أهمية المرأة وعلمها “جينولوجيا “ودورها الأساسي في تحقيق تغيير حقيقي وكلنا مدعون للعب دورنا في بناء مجتمع يفتح ذراعيه للجميع، مجتمع يقبل التنوع ويحترم حقوق الجميع دون تفرقة وبناء مجتمع أكثر عدلاً وإشراك الجميع فيها.
وأخيراً أتمنى أن نهدي وقتنا وجهدنا لتعلم المزيد عن ومن فكر القائد أوجلان ومشاركة هذه المعرفة، فالأوجلانية ستمثل براديغما القرن الواحد والعشرين.
No Result
View All Result