محمد مثقال الخضّور_
بعد سنواتٍ من انتقال والدي ووالدتي إِلى رحـمة الله، شاخَ البيتُ العتيقُ الذي تـجاوزَ عمرُهُ السبعين عامًا وصار آيلًا للسقوط، وكان علينا أَن نـهدمَه حفاظًا على السلامة.
كان البيت عزيزًا عليهما لأَنه مستودع الذكرياتِ بـحلوها ومُرِّها ولأَنَّهُ ثـمرةُ ذلك الـحبِّ العظيم الذي دفعَ الوالدةَ لبيعِ ما لديها من ذهبٍ من أَجلِ بنائهِ ودفع الوالدَ لأَن يشعر طوالَ عمرهِ بأَنهُ مدينٌ لها وبأَنه عاجزٌ عن سداد دَيْنه:
“لم أَسمع بكاءَ الحجر
كنت مشغولاً مع السقف
أَتوسل إِليه أَن يكون رحيماً
وهو يسقط على ظهر أَبي
الذي خرج من قبرهِ مسرعاً
لكي يدافع عن غرفتهِ
وعن شجرة الليمون
..
رأَيت أُمي تقطعُ حبلَنا السريَّ
بعد دهرٍ من الولادةِ
تقذفني خارج السور
وتلعنني
ورأَيتني متمسكاً بثوبها
حتى غرقَ كلانا
في دماءِ المشيمة
..
كان أَبي مشغولاً بالبحث
عن علاقة المفاتيح
وأُمي مشغولة بترتيب الخزانة
فلم يسمع أَحدهما استغاثةَ شجرةِ الغار
التي كانت تحاول الهروبَ
قبل أَن تفضحَ الريحُ رائحتَها
وتسقط
..
سمعت البرتقالة الخائفة
تسأَل عن عظام أَبي
حين رأَت أَسنان الجرافة الكاسرة
كانت
– وهي تودع السور ونافذة غرفتي –
تسأَلهما عن أَين ستلقي بجذوعها
بعد الفراق
سقط السور قبل أَن يجيب
وسقطت نافذتي
قبل أَن تكتب وصيتها
على جذع البرتقالة
..
كان صوت الجرافة عالياً
فلم يسمع البئر
صوت جارته الليمونة الصغيرة
حين قالت: إِن آخر أُمنياتها
أَن تشرب من جوفهِ الكأسَ الأَخيرَ
وأَن تُدفنَ بسرعةٍ
في حضنِ الأَبِ الحنون
لعلها تُبعثُ ثانيةً
لو استقبلها بكوبٍ من الماء
أَو …
بابتسامتهِ الطيبة
..
لم يكن السرير
الذي مات عليه أَبي موجوداً
فلم يجد جدارُ الغرفةِ الغربيِّ كفناً
ولا حضناً
لإيداع الذكريات
..
واضطر – آسفاً – للسقوط رماداً
وبلا ذاكرةٍ…
على الأَرض الباردة
..
في المطبخ
آخر جرعةٍ من البابونج…
لم تشربها الأُم الغاضبة
..
في غرفة النوم…
آخر رشفةٍ من فنجان قهوةٍ
نسي أَن يشربه الأَب الحزين
..
في غرفة الجلوس…
آخر رميةٍ في لعبة طاولة الزهر
لم أَرمِها…
لأَنني أَيقنت أَنني مغلوب
..
على البلكونة الصغيرة…
آخر كميةٍ من الكاز
لم تحرقها المدفأَة التي شاخت
قبل فصل الشتاء
..
في صالون الضيوف
آخر ابتسامةٍ ودَّع بها الأَب أَقاربه
قبل أَن يموت
..
في غرفتي
آخر حقيبةٍ رتبتها لي أُمي
قبل السفر
وقد ملأَتْ الفراغاتِ فيها
بأَكياس الميرمية
..
وهناك
في الحديقة
لا شيء سوانا…
نحن الذين بقينا أَحياءً
إِلى لحظةِ الهدمِ
لأَننا…
نسينا أَن نموت”.