حميد المنصوري
صرخة الثكلى، وحديث موسى الثالث، وضجة الكُتّاب الأربعة، فهذه الأصوات كلها تتحدث وتصِف واقع ووضع ومستقبل إقليم فلسطين/ إسرائيل.
صرخة أين العدالة!، مؤخراً صرخت أم فلسطينية في وجه القضاء الإسرائيلي “لا توجد عدالة، إنه عار”، حيث برأت محكمة إسرائيلية ضابطًا شرطيّاً من تهمة القتل غير المتعمّد لشاب فلسطيني من أصحاب الهمم “مصاب بالتوحد”، وهذه الحالة تعكس واقع قانون التفوّق اليهودي داخل إسرائيل.
وإلى ترانيم وشدو لحن الحكمة عند موسى الثالث وأتباعه، فالأب الروحي لليبرالية اليهودية “موسى مندلسون”، والذي أُطلق عليه “موسى الثالث” بعد النبي موسى عليه السلام وموسى بن ميمون، قد نادى ومهّد وشجع وحث اليهود في القرن الثامن عشر وفي عصر التنوير على الاندماج مع المجتمعات الغربية في مجالات الحياة كافة من علوم ومعرفة وفنون وإدارة ومشاركة في التنظيمات المهنية والاجتماعية والسياسية، وكان هدفهُ إخراج المجتمعات اليهودية في البلاد الأوروبية من التقوقع على الذات المرتبطة بالدين والهوية اليهودية، والتي تجعل اليهود في حالة من العزلة وعدم التطور إلى جانب نبذهم والتخوّف منهم. فحديث ومسيرة وفلسفة موسى مندلسون مازالت مستمرة لدى اليهود الليبراليين، وهي تُقدّم مراجعة، أصبحت ضرورية، لإعادة تفضيل إسرائيل بين هوية الدولة القومية الدينية وبين الدولة الديمقراطية العلمانية.
وبعد صوت صرخة البحث عن العدالة وترانيم لحن الحكمة، نقف هنا بجوار صوت ضجيج الواقعية عبر المقالة المنشورة في مجلة Foreign Affairs والصادرة تحت عنوان، “واقع الدولة الواحدة في إسرائيل: حان الوقت للتخلي عن حل الدولتين- Israels’s One-State Reality: It’s Time to Give Up on the Two-State Solution”، فقد قدمت هذه المقالة الطويلة بكتابها الأربعة عوامل كثيرة وواقعية تكشف عن حقيقة استحالة حل الدولتين في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فليس هناك حل سوى الدولة الواحدة. ومن المحاور المطروحة في المقالة كون إسرائيل تعاني من تضارب الهوية والدور بين الدولة الدينية القومية العنصرية وبين الليبرالية الديمقراطية، فمازلت إسرائيل تمُثّل الدولة القومية الدينية اليهودية على حساب الدولة الديموقراطية العلمانية، والديمقراطية في إسرائيل فقط لليهود، فعودة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى السلطة في إسرائيل مع ائتلاف يميني متطرف ضيق الأفق حطمت وهم حل الدولتين، على سبيل المثال، كتب نتنياهو إن “إسرائيل ليست دولة لجميع مواطنيها” بل هي “دولة للشعب اليهودي”، كما أعلن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بأن غزة يجب أن تكون لنا نحن اليهود، وأنه يمكن للفلسطينيين الذهاب إلى المملكة العربية السعودية أو أماكن أخرى، كالعراق أو إيران.
ومن أهم النقاط المثارة في المقالة والتي سببت صخباً عليها من اليهود اليمينيين، هو ما طرحتهُ بأن الولايات المتحدة الأمريكية الداعمة الأكبر والأهم لإسرائيل مازالت توهم نفسها بأن هناك فرصة للعودة إلى مفاوضات الدولتين خاصةً بعد مغادرة حكومة نتنياهو اليمينية، وترى المقالة وكتّابها الأربعة، بأن هذا الوهم الأمريكي ناتج عن ازدواجية في التعامل بين واشنطن ومختلف الدول، لذا يجب على واشنطن التوقف عن استثناء إسرائيل من معايير وهياكل النظام الدولي الليبرالي، والذي تأمل واشنطن في استمرار قيادتهِ وانتشارهِ حول العالم والحكومات.
كشفت المقالة عن حقيقة أن خيار الدولة الواحدة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس احتمالاً مستقبلياً، إنه موجود بالفعل وعلى أرض الواقع، فبين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، تتحكم دولة واحدة في كل شيء من دخول وخروج الأشخاص والبضائع، إلى جانب الأمن وقدرتها على فرض كافة السياسات وتطبيق القوانين على كل من هو في الإقليم، حتى قطاع غزة “التي يصفها نعوم تشومسكي بأكبر سجن في العالم” تعتبر واقعياً مقيدة بالسيطرة الإسرائيلية على الحدود البرية والبحرية. وهذه السيطرة الإسرائيلية على الإقليم أمست تعكس معضلة نظام الفصل العنصري كحالة جنوب أفريقيا، والذي استخدمتهُ حكومة الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا لترسيخ سيادة البيض من عام 1948 إلى أوائل التسعينيات، وعلى ذلك، قامت منظمات حقوقية كبرى، بما في ذلك هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، بتطبيق المصطلح على إسرائيل، وكذلك الحال بالنسبة للعديد من الأكاديميين، ولقد تزايد الإدراك حول أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو في الإساس يجسد صراعًا داخل إقليم واحد بسيطرة وهيمنة يهودية عبر نظام فصل عنصري.
طرقت المقالة باباً مهماً بأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لابد وأن يتعامل معه عبر الدولة الواحدة، والذي بدورهِ سيعقّد علاقة إسرائيل ببقية العالم، فعبر نصف قرن، سمحت عملية السلام للديمقراطيات الغربية بالتغاضي عن الاحتلال الإسرائيلي لصالح مستقبل طموح ينتهي فيه الاحتلال بالتفاوض المتبادل وإقامة دولة فلسطينية، وإذا تعامل الغرب في قضية الصراع الفلسطيني والإسرائيلي من المنظور الواقعي لدولة واحدة، ستكون هذه الدولة عنصرية ليس لها في عالم الديمقراطيات أي مقعد، كما ستكون معرضةً لمختلف العقوبات والمقاطعة.