No Result
View All Result
د. أنمار نزار الدروبي (أستاذ الفكر السياسي)_
يسعى هذا المقال وبعد مراجعة دقيقة والبحث في رؤية صانع القرار السياسي الروسي، النظر في السلوك السياسي للرئيس فلاديمير بوتين. هل هو فكر وسلوك ثوري يحاول رسم خريطة جديدة للنظام الدولي من خلال إعادة العمل بنظام الثنائية القطبية أو التعددية القطبية؟ أم هو ثورة ظاهرية فقط ويعمل على تنفيذ كل المخططات الأمريكية والغربية لتثبيت نظام أحادية القطبية واستمرار الهيمنة الأمريكية على النظام السياسي الدولي؟
هنا تُطرح مسألة شغلت الرأي العام، بوتين يخدم من؟ من الذي عليه أن يُهيمن على العالم؟ ومع إضفاء بعد تاريخي وأيديولوجي أو فلسفي على السؤال، أي شكل من المؤامرات والاتفاقات السرية التي ينفذها بوتين؟ ما هو هذا الشكل في حالة إذا صح أن بوتين عميلاً للأمريكان؟
هكذا يظهر بوتين للعالم على أنه فاعل دولي مؤثر في النظام السياسي الدولي، من خلال التوافق النسبي مع النظام الدولي دون التعارض القطعي. مع العرض أن بوتين عقل استخباري مخضرم خدم في ألمانيا الشرقية وكان لديه مركزاً أكاديمياً ويمتلك مفاتيح أسرار حكم دولة عميقة لمستوى البرمجة على الإدارة بقبضة حديدية.
والتساؤل عن قوة بوتين أو ثوريته يقتضي أن نحدد كيف كانت وماتزال سياسات بوتين دوليّاً وإقليمياً وعربيّاً وفقاً لما يلي:
1ـ هل هي السياسات التي تُشكل رؤية مستقبلية لتغيير النظام الدولي بصيغته الحالية؟
2ـ هل هي السياسات القادرة على وضع نهاية لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام السياسي الدولي والإعلان عن مولد نظام عالمي جديد؟
3ـ هل هي السياسات التي تتلاحم ومطالب المجتمع الدولي وتطلعاتهم المستقبلية؟
4ـ وإذا كانت هذه هوية بوتين، هل هو ثابت في سياسته أم أنه سيتحوّل إلى قوة عُظمى تهيمن على أجزاء من العالم لا تختلف أبداً عن هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية؟
لكن الحقائق تقول غير ذلك، بمعنى أن بوتين يعمل وفق أجندة أمريكيّة إسرائيلية للضغط على الاتحاد الأوروبي وإخضاع الغرب للهيمنة الأمريكيّة، وتدمير روسيا وسحقها اقتصادياً مع تحجيم قوتها النووية، إضافةً إلى تنفيذ المشاريع والمخططات التي تستهدف العالم العربي:
أولاً: التدخّل العسكري الروسي في الحرب الأهلية السوريّة.
ثانياً: الغزو الروسي لأوكرانيا.
ثالثاً: فشل مشروع نورد ستريم 2: بعد أن دُفعت أموال طائلة لإنشاء خط أنابيب الغاز الروسي (نورد ستريم 2) وبعد أن منحت ألمانيا نورد ستريم2 تصريحاً للبناء والتشغيل في المياه الألمانية ومناطق اليابسة بالقرب من مدينة لوبمين في مايو 2018، لكن عندما بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، قامت ألمانيا بتجميد عملية الموافقة على فتح الخط، ومن ثم تقدمت الشركة بطلب الإفلاس نتيجة للعقوبات الأمريكية المفروضة على الشركات المملوكة للدولة الروسيّة، وطردت جميع موظفيها. من هنا أصبح هذا الخط في صلب المواجهة بين روسيا والبلدان الغربية بشأن أوكرانيا، لكن ما يثير تساؤلات حول من الفائز ومن الخاسر في حال توقف المشروع بشكلٍ دائم؟
الجدير بالذكر أن نورد ستريم 2 هو عبارة عن خط أنابيب في بحر البلطيق، وقد تم الإعلان عنه كمشروع لأول مرّة في العام 2015، مما أثار المخاوف الأوروبية والأمريكية ما يشكله هذا الخط كسلاح جيوسياسي كبير بيد الكرملين، وبما يُعزز نفوذ روسيا في القارة الأوروبية، لكن كما ذكرنا آنفاً الولايات المتحدة الأمريكية قد أجهضت المشروع.
رابعاً: قوات فاغنر: وهي منظمة روسيّة شبه عسكرية، وصفها البعض بأنها شركة عسكرية خاصة، حيث شاركت في صراعات مختلفة، بما في ذلك الحرب الأهلية السوريّة إلى جانب حكومة دمشق، وكذلك في الفترة من 2014 إلى 2015 الحرب في الدونباس في أوكرانيا لمساعدة القوات التابعة للجمهوريات الشعبية دونيتسك ولوغانسك المعلن عنها ذاتياً، إضافة إلى أن التقارير الأمنية الدولية تؤكد على أن قوات فاغنر أنشأت قاعدتين عسكريتين روسيتين في بنغازي وطبرق، شرق ليبيا، لدعم المشير خليفة حفتر الذي يقود الجيش الوطني الليبي.
في الوقت نفسه؛ فإن قوات فاغنر تتواجد في مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى، حيث يساعد مقاتلو فاغنر الحكومات في محاربة المسلحين والقوات المتمردة وبحسب تصريحات الخارجية الروسيّة، وبالرغم من كل ما تقدّم عن هذه القوات ومدى ارتباطها بالحكومة الروسيّة وتحديداً المخابرات الروسيّة، إلا أن هذه القوات قامت بالتمرّد على الرئيس بوتين مؤخراً في مسرحية بائسة جداً انتهت قبل أن تبدأ.
بلا شك كان الصراع بين الشيوعية والإمبريالية صراعاً أيديولوجياً بين نظام اشتراكي ونظام رأسمالي، وكانت الدول تدور في فلكيهما تبعاً لطبيعة أنظمتها بما فرضته المصالح وما ترشّح عن السياسة العالمية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، أو ما كان يترتب جرّاء الحرب الباردة بين القطبين والمتغيرات التي طرأت بسبب ثورات التحرّر، ثم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وما تمخّض عن تفكك الدول المنضوية تحت مظلته وانضمام بعضها للاتحاد الأوروبي. ربما بوتين قد فقد خطواته والمرحلة التي جهد فيها لتحقيق أهدافه، أن تعود روسيا دولة عظمى على غرار الاتحاد السوفيتي، لاسيما أن بوتين حريص جداً على استقراء التاريخ وأن ينهل من التاريخ الأمثلة التي تُمكنه من ضبط قوانين القوة وتحديداً من (ستالين) تلك القوانين الخالدة في الاتحاد السوفيتي السابق، والمتعلقة بالديكتاتورية والسيطرة على العالم.
وهنا يجب أن نُقِر بأنه الفارق شاسع بينهما، فلم يتوقع أحد أن تلتف الشعوب السوفيتية خلف قيادتها بهذه القوة بعد معركة (ستالينغراد) التي بدأت عام 1942 واستمرت ستة أشهر. بل أن البعض قد توقع أن ينضم الأوكرانيون وغيرهم من الشعوب غير الروسيّة إلى صفوف الغزاة النازيين، ولكن الروح المعنوية السوفيتية كانت عاملاً مهماً في قلب موازين القوى رأساً على عقب. وهذا يمثل عنصر (الإدراك) الذي يعتبر عنصراً من عناصر قوة الدولة، أما بوتين فيرى أن زيادة الإنفاق العسكري هو الطريقة المثلى لزيادة قوة الدولة، بينما باقي القادة السوفييت يهتمون بالتوازن العسكري الكلي، والذي يعرفونه بأنه (ارتباط القوى العالية)، حيث يشمل هذا الارتباط عناصر عديدة كالأيديولوجية وغيرها من العناصر.
وكما ذكرنا في مقالٍ سابق، أن فلاديمير بوتين ليس سكرتير الحزب الشيوعي، وكونه رئيس الاتحاد الروسي فالأمر مختلف عن الاتحاد السوفيتي في معادلة توازن ثنائية الجدل الديالكتيكي إذا حاولنا تفسير الصراع بمنهج أقرب لفيزياء السياسة من التاريخ. بمعنى آخر بوتين لا يستحق التاج المرصّع بطلاسم الثورة البلشفيّة المُعبّر عن ديكتاتوريّة البروليتاريا في العقيدة اللينيّة الماركسيّة.
No Result
View All Result