No Result
View All Result
حميد المنصوري (كاتب ومحلل سياسي)_
عبر حادثة تمرّد قائد وقوات فاغنر على سيد الكرملين “بوتين”، فإننا نضع هنا الرؤية الأمريكية لروسيا وأوروبا الغربية في تحقيق بقاء واستمرار الهيمنة الأمريكية، والتي تميل إلى الرغبة في وجود روسيا متماسكة وقوية، على الرغم من وجود مسارات روسيّة دوليّة تسعى لتحييد الهيمنة الغربية الليبرالية الرأسمالية على العالم.
إن حالة ضعف روسيا ستقود إلى ظهور الحركات الانفصالية العرقية في أجزاء عديدة من اتحاد روسيا، وفي حالة الانهيار سوف تكون هناك مخاطر كبيرة في الصراع بين جهات عدة في روسيا الاتحادية وربما تكون متطرفة تسيطر على القوة والقدرات النووية وتستخدمها أيضاً، والذي بدورهِ سيكون تهديداً مرعباً لحروب داخلية ودوليّة إلى جانب حدوث كوارث بيئية وصحيّة تتسع نحو أوروبا وآسيا الوسطى والقوقاز، وفي هذه الحالة وخطورتها الدولية، فروسيا ضعيفة أو مريضة أو منهارة ستدفع بلدان كروسيا البيضاء “بيلاروسيا” إلى كتلة الاتحاد الأوربي، إلى جانب كون آسيا الوسطى والقوقاز سوف يختفي ويتلاشى عنها النفوذ الروسي لتكون حلقة تنافس جيوسياسيًا واستراتيجيًا وأمنيًا بين الكتلة الأوروبية وبين كل من الصينُ وإيران وتركيا لملأ فراغ النفوذ الروسي، ومن الأهمية بمكان بأن وجود نفوذ أوروبي في آسيا الوسطى كبديل عن النفوذ الروسي سيجعل أوروبا أكثر قرباً من الحدود الصينية ومن منطقة الخليج العربي، بهذا ستكون أوروبا نداً لبروز القوة الاقتصادية الصينية على هرم النظام الدولي العالمي. وعلى هذا السيناريو والتصورات ستكون الهيمنة الأوروبية الغربية على العالم قد أخذت تقوى، رغم أن الاتحاد الأوربي كان مهددًا بالسياسة الروسية المناهضة للهيمنة الليبرالية الرأسمالية الغربية، ولا غرابة أن يسعى النظام الأوروبي لإدماج روسيا في هياكل الأمن الأوروبية. ونجد بأن هذا التصوّر يعتبر قريبًا للواقع إذا حدث انهيار وضعف كبيران في روسيا، والذي بدورهِ سيعني بأن قد تلاشت تصورات بأن تكون أوروبا الغربية ضعيفة تعتمد على الولايات المتحدة بشكلٍ رئيسي لردع روسيا، حقاً، بالنظر إلى أزمة روسيا في الحرب الأوكرانية، والدعم الغربي لأوكرانيا، والعقوبات الاقتصادية، ومؤثرات تمرّد قائد وقوات فاغنر، ستبدو هيمنة أوروبا الغربية النتيجةَ الأكثر احتمالاً، ومع ذلك، قد تجلب أجزاء من أوروبا الوسطى أو الشرقية أو الجنوبية الشرقية ومنطقة البلقان خاصةً صراعات عرقية وحدودية وسياسية إلى القارة الأوروبية، مقابل، تنامي الروح القومية والدينية والشعبوية والخلافات حول أحقية المدن الأوروبية الغربية بالتمتع والاستفادة المباشرة والأكبر من مواردها الاقتصادية والصناعية وعوائد الضرائب بعيداً عن أهداف القارة الأوربية الأمنية والاقتصادية والسياسية والاندماجية. وكل هذه التوترات والصراعات الأوروبية العرقية والحدودية المتوقعة، مع مطالب الشعوب الأوروبية بالمزيد من الرفاهية، ستحتاج أوروبا الغربية إلى روسيا متعاونة ومتقاربة مع الاتحاد الأوروبي لضبط الأمن في القارة بأكملها.
إذا هيمنة القوى الأوروبية الغربية على القارة الأوروبية بأكملها ووصلت نحو القوقاز وآسيا الوسطى لن تكون قوة اقتصادية وأمنية عالمية منافسةً ورادعةً لتفرد الاقتصاد الصيني على العالم وحسب، بل ستكون منافساً ونداً للولايات المتحدة، والتي ستسعى لكبح نمو هذه الهيمنة الأوروبية على العالم عبر تقوية روسيا وبسط نفوذها ودورها من جديد في أوروبا، وربما تخلق حالة من القطبية الثنائية الأوروبية بين الكتلة الغربية والكتلة الشرقة الروسية، أي أن الولايات المتحدة لا ترغب في وجود روسيا ضعيفة ومنهارة أمام أوروبا غربية قوية، وفي نفس الوقت، لا تريد واشنطن أوروبا الغربية مفككة. فالولايات المتحدة تهدف وتسعى وترغب إلى الريادة عبر وجود أوروبا الغربية في مسارات داعمة لروسيا قوية ومتماسكة مع أهمية آسيا الوسطى ضد الصين كقوة عالمية ستهيمن على النظام الدولي العالمي، ويمكن أن يحدث ذلك في دعم الاقتصاد الروسي وترك حيّز دولي لأمنهِ وقوتهِ في أقاليم العالم.
فالرؤية الأمريكية الدولية لا تهدف إلى روسيا ضعيفة أمام حدوث هيمنة أوروبية غربية على العالم بريادة ليست أمريكية، لذا روسيا قوية ومستقرة تمُثّل رادعًا لذلك، كما الرؤية الأمريكية متأكدة بأن صعود بكين إلى هرم النظام الدولي العالمي سيخلق صراعات مع موسكو كبيرة، حيث التوسع المشهود للنفوذ الصيني عبر الاستثمار والصناعة التي يعتمد عليها العالم ستقود حتماً إلى هيمنة اقتصادية وأمنية صينية على الأقاليم المجاورة من منطقة آسيا/المحيط الهادئ وآسيا الوسطى ومنطقة الخليج والقارة الأفريقية، ناهيك عن أهمية دخول الاستثمار الصيني في أوروبا، والذي سيقزم دور روسيا الأمني والحضاري والعسكري وبكونها رجل أوراسيا المشهود عالمياً.
ختاماً وبكل وضوح، من مصلحة واشنطن وجود أوروبا الغربية قوية مع إدخال روسيا كقوة مستقرة لها نفوذها في أوروبا الشرقية والوسطى مع مختلف بلدان العالم، لردع الهيمنة الصينية العالمية، وبقاء واشنطن رائدة على النظام الدولي العالمي.

No Result
View All Result