حسين عمر
– خذوا تلك الجهة، وأنا سأغطي الجهة الأخرى، كونوا يقظين، لا تستبعدوا وجود الجرحى بين الجثث، راقبوا جيدا حركتها، هيا، لا تبتعدوا عن بعضكم كثيرا، هيا. هيا تحركوا بحذر بالتوفيق هفالنو…
انقسمت المجموعة إلى قسمين، إحداهما بقيادة الرفيقة “روناهي” والأخرى بقيادة الرفيقة “زلال”، ومهمتهم تمشيط الحي من بقايا تواجد عناصر العدو داخل الأبنية، وتنظيف الطرقات والأماكن العامة من الألغام والقنابل المزروعة. لم تكن “روزالين” قد خاضت أية معركة قبل الآن، لهذا فهي مندهشة، وهي تسير خلف رفاقها ونظراتها لا تفارق الجدران المثقوبة والجثث المرمية على الأرض، تجمدت في مكانها للحظات، أغلقت عينها برهة، لتبعد تلك المناظر المقشعرة عن مخيلتها، كادت أن تفقد توازنها لبرهة، وبصعوبة وبحركة لا إرادية تمسكت بالرفيقة، التي تسير أمامها، أدركت “بيريفان” مباشرة أن “روزالين” مصابة بدوار رؤية الدم كما يسمونه، أسندتها، وطلبت منها أن تغلق عيونها وتحاول تخيل رؤية أي شيء آخر غير الجثث، بدأت تغني لها، طلبت منها أن تردد معها كلمات الأغنية. بدأت تدغدغ جسدها في محاولة منها لإضحاكها، هيا روزا، هيا إنها أغنية جميلة، غني غني. وبدأت “روزالين” تستعيد توازنها وضحكتها المعتادة، وسارت خلف بيريفان بخطوات واثقة.
وصلت المجموعة في هذه الأثناء إلى تقاطع خطر، عليهم اجتيازه، وفي الجهة اليمنى، وعلى أطراف البيوت المتراصة، وبداخلها يعتقد بوجود مجموعة من الإرهابيين، الذين مازالوا أحياء، وهم محاصرون من مجموعة التمشيط العاملة في تلك الجهة، ولكن يعتقد بوجود قناصة فوق الأبنية المطلة على التقاطع، الذي على مجموعة “زلال” المرور منه.
تحدثت “زلال” مع مجموعة التمشيط وأخبرتهم أن مجموعتها ستعبر التقاطع، والمطلوب منهم الانتباه ومحاولة حماية المجموعة، والتغطية عليهم، لحين العبور بسلام، لا يريدون فتح جبهة من هناك؛ كي لا يتأخروا عن اللحاق بالمهمة الموكلة لهم، وتنفيذها بأسرع وقت.
بدأت المجموعة بالتحضير للعبور، كانت “ناديا” أولى العابرات، لم تطأطئ رأسها، ولا أحنت ظهرها بالرغم من التعليمات الصارمة من “زلال” بتطبيق قواعد القتال، لكن “ناديا” التي خاضت العشرات من المعارك في مختلف المناطق كانت تمتلك جرأة استثنائية، لا بل كما كان يقول عنها رفاقها: إنها “مغامرة” تغامر في كل المعارك، التي تشارك بها، وتنجح في مغامراتها الجريئة.
تخطت ناديا المعبر، وأخذت موقعا تستطيع منه حماية بقية رفيقاتها، اللواتي سيبدأن بالعبور للحاق بها، ارتفعت أصوات الرصاص المتبادل في الجهة الأخرى، يبدو أن المجموعة الإرهابية، قد حوصرت في مكان ضيق، تعالت صيحات “عكيد” يطالب الإرهابيين بالاستسلام، إنها آخر مجموعة إرهابية مقاومة في تلك الجهة، وبالقضاء عليها؛ يكون ذلك الحي قد أصبح آمنا، بعد أن تقوم المجموعات المكلفة بإزالة الألغام بحملة تمشيط دقيقة وشاملة فيها.
سارت مجموعة “زلال” نحو المنازل بعد المعبر، لتقوم مقاتلات ومقاتلون بحملة تفتيش دقيقة عن الأشخاص والألغام.
جلست “روزالين” على المصطبة الخشبية الممدودة في باحة الدار، التي انتهوا للتو من تفتيشها، نظرت لرفاقها وجالت بنظرها، إلى السماء، ومن ثم السلاح المشدود بيدها، وأخذت نفسا عميقا، ثم نظرت إلى بيريفان وقالت: رضا النفس من أهم الخواص، التي يجب أن يمتلكها الإنسان، والرضا هذا لن يحصل عليه إلا إذا حقق ما يمكن أن يكون “إنجازا شخصيا” يضاف الى رصيد إنجازات الفرد، في مختلف المجالات، والمشاركة في هذا الإنجاز –التخلص من سطوة الإرهاب ودحره – هو أعظم الإنجازات، التي يمكن للإنسان الافتخار به، أشعر بالفخر الآن؛ لأول مرة في حياتي، أعرف أننا نقوم بعمل عظيم، خدمة لأهلنا والإنسانية جمعاء.
ضحكت “بيريفان” واقتربت منها، قبلت رأسها، وقالت: هيا رفيقتي ما زال أمامنا العديد من المنازل لتأمينها، قبل أن يحل الظلام.