No Result
View All Result
حميد المنصوري (كاتب ومحلل سياسي)_
مازالت تداعيات تمرّد قوات فاغنر وقائدها “ذو الخلفية الإجرامية والتجارية بسلسلة المطاعم” تضع مؤثراتها على المستوى الروسي الداخلي وعلى الحرب الروسيّة الأوكرانية وأيضاً على المستوى الدولي والعالمي.
لعبت قوات فاغنر ورئيسها يفغيني بريغوجين دوراً كبيراً في الحملة العسكرية الروسية في أوكرانيا، إلى جانب حضورها العسكري والأمني في القارة الأفريقية، وكان هناك سجالاً ونزاعاَ بين رئيس فاغنر وقادة الجيش الذين يديرون الحرب مع أكرانيا في أمور عدة منها، عمليات التزويد بالأسلحة، ووجود مسار لإخضاع قوات فاغنر لهيكلة قيادة الجيش الروسي، إلى جانب اتهام زعيم فاغنر وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو ورئيس الأركان فاليري جيرا سيموف بقصف مركز لقواتهِ في أوكرانيا، وهو الأمر الذي نفته وزارة الدفاع الروسيّة. وفي ظل اعتياد بريغوجين مهاجمة وشتم جنرالات بوتين، جرت تفسيرات حول عدم تدخّل بوتين في هذا الصراع بين قائد فاغنر وجنرالات الجيش الروسي بأنه يريد وجود توازنات بينهم لمنع حدوث انقلاب محتمل في المؤسسة العسكرية.
حمل التحرّك والتمرّد والزحف من قوات فاغنر وقائدها نحو موسكو تصورات عدة، أهمها بأن قائد فاغنر أغرته شعبيتهُ العالية في روسيا مع اعتقادهِ بأن لديه أنصار في قيادات عُليا خصوصاً في ظل انتقادات أداء الجيش الروسي في الحرب الأوكرانية، ولعلهُ كان يطمح لحدوث تغييرات في الدائرة المُقربة من بويتن، ولكن؛ صُدِمَ قائد فاغنر في وصف بوتين التمرّد بالخيانة والطعنة في الظهر، مع استعداد كتيبة أحمد الشيشانية لمواجهة التمرّد وعدم وجود انشقاقات في القيادة الروسيّة، وهنا رضخ قائد فاغنر إلى العودة إلى طاعة بوتين بعد دخولهِ في تفاوض عبر رئيس بيلاروسيا “ألكسندر لوكاشينكو”. وثمة خيوط رفيعة بين قائد فاغنر والغرب الذي كان متفرجاً لهذه الأحداث بسرور عالٍ، فهناك مؤشرات مهمة مثل حديث بريغوجين بأن حلف الناتو لم يكن يخطط لشن أي حرب على روسيا، وأن الحرب قامت على أكاذيب من جنرالات بوتين. وهناك تصوّر آخر، يرى العملية مجرد مسرحية روسيّة، حيث يستند بأن التمرّد هذا كان صادماً للعالم، وازداد العالم استغراباً بانتهاء التمرّد وإعلان الكرملين بأن قائد قوات فاغنر سيغادر إلى بيلاروسيا مع إسقاط دعوى جنائية مقامة ضده، وبأن مقاتلي فاغنر الذين شاركوا في “التمرّد المسلح” لن تتم مقاضاتهم احتراماً لأعمالهم البطولية على جبهة القتال في أوكرانيا، كما أن المقاتلين الذين لم يُشاركوا في التمرّد سيُسمح لهم بالانضمام رسميًا إلى الجيش الروسي”.
مازال هذا الحدث له تداعيات على المستوى الروسي والحرب الروسيّة الأوكرانية وعلى المستوى الدولي، فعلى المستوى الداخلي يبدو بأنه تم فتح باب التساؤلات حول مدى قوة قبضة سيد الكرملين “فلاديمير بوتين” على السلطة، ومدى ما يحظى به من شعبيّة روسيّة مؤيدة له، وفي هذه الأسئلة، لعل هذا الحدث اختبر إخلاص القيادة الروسية لتوجهات بوتين في السياسة الدوليّة ومقارعة الغرب في أوكرانيا، ويمكن أن تكون هناك تغييرات في قيادات الجيش الروسي مرتبطةً بأداء وإدارة الجيش الروسي للحرب الأوكرانية، وعلى جانب الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، يمكن أن تكون من تداعيات هذا التمرد استخدام موسكو لقوة تدميرية عالية في الحرب، ونجد أيضاً بأن نجاح رئيس بيلاروسيا “ألكسندر لوكاشينكو” في التفاوض ووقف تمرد قائد فاغنر قاد إلى طرح فكرة أن يلعب دوراً وسيطاً في إنهاء هذه الحرب “الروسيّة الأوكرانية”. كما أن إعلان ترحيل قائد فاغنر إلى بيلاروسيا قاد إلى توجس الرئيس البولندي الذي أعلن بدء تعزيز الحدود بين بولندا وبيلاروسيا. ووجدنا في ظل هذه الأحداث بأن صربيا تلعب بالنار، فهي تسعى لخلق توترات مع كوسوفو، مهددةً منطقة البلقان المثقلة في التحوّلات التاريخية والحروب، حيث مازالت الهوية الوطنية تعاني من تزايد النعرة العرقية والقومية والدينية، فهناك مشاعر قوميّة صربيّة ترى كوسوفو جزءاً منها، رغم أن غالبية سكانها من المسلمين بأكثر من 95% من إجمالي السكان، وهي “كوسوفو” تعتبر أعلى دولة متجانسة أثنياً ودينياً في البلقان، تليها ألبانيا، وفي ظل سياق حدوث نزاعات أثنية في البلقان، ستكون كتلة من النار تتزايد وتكبر خارج الحدود، على سبيل المثال، ربما تواجه مقدونيا أزمة مع الأقلية الألبانية القوية فيها، وهناك قابلية لصدام متعدد في البوسنة والهرسك، التي تعتبر متعددة الأعراق من البوشناق المسلم المقدر بأكثر من نصف الشعب إلى جانب الكروات الكاثوليكي بنسبة أكبر من الصرب الأرثوذكسي، فأي نزاع داخلي سيُدِخل دولة كرواتيا وصربيا في الأزمة.
وعلى المستوى الدولي والعالمي، حسب رؤية عالِم السياسة الجغرافية “ألكسندر دوغين” الذي يصف نفسه بأنه بعيد عن بوتين ولكن أفكارهِ قريبةً منهُ، يجب على روسيا خلق فضاء أوراسي لها، حيث تكون هناك مصالح وقواسم مشتركة ونفوذ وتواجد مع تأييد روسي لتيارات شعبية وقومية وأحزاب سياسية مناهضة للهيمنة الغربية الليبرالية في دول آسيا إلى جانب أفريقيا وأوروبا، ففي أوروبا ليس من أهداف موسكو منع تطويقها عبر تمدد حلف الناتو وحسب، بل التحفيز على بروز القومية الأوروبية المحافظة. وهذه الرؤية تجعل العالم يأخذ مسارات أوسع في العلاقات الدوليّة بين الغرب وروسيا والصين، ولكن في حالة عجز القوة الروسيّة في تحقيق هذا الهدف، سيجعل العالم كما وصفهُ «فرانسيس فوكوياما» في فكرة «نهاية التاريخ» بعد الحرب الباردة، والتي تعني انتصار وانتشار الليبرالية الغربية على منافسيها الأيديولوجيين باعتبارها وسيلة لتنظيم المجتمع والنظام الدولي.
ونختم هذه المقالة بفكرة خطرة تقول بأن تغيير هرمية النظام الدولي العالمي لا يحدث إلا بحروب دولية وأحداث سياسية كبيرة واسعة التأثير، فالحرب الروسية الأوكرانية ورغم الضحايا والأبرياء، فهي محاولة لكسر أغلال المنظومة الغربية الرأسمالية بقيادة واشنطن، فالعديد من الدول المناهضة للهيمنة الغربية تأمل في روسيا انتصاراً على الغرب، كما يأملون بأن يقوى الحضور السياسي للمحافظين في الدول الغربية على حساب الليبرالية والرأسمالية خصوصاً مع تنامي ورجوع القومية والدين ومواجهة البطالة التي خلقتها العولمة والرأسمالية. وإذا كان الدب الروسي قد تسمم بحادثة التمرد هذه، فالنسر الأمريكي عليه أن يأخذ الحذر فلا يمكن اختزال حادثة التمرد في روسيا صاحبة أكبر القدرات النووية العالمية كما صرّح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بقولهِ “لا أعتقد أننا رأينا الفصل الأخير في تمرد فاغنر”، بل الحادثة ربما تؤثر وتحمل فصول تمتد إلى دول أخرى، وليس الوضع الداخلي الأمريكي بمنأى عنها، فرغم كون الولايات المتحدة صاحبة أكبر كيان اقتصادي عالمي وأكبر قوة عسكرية عرفها العالم بتاريخهِ، إلا أنها تعاني من بروز المحافظين البيض والعرقيات الأخرى مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر وضعف المستوى الأمني الداخلي، وتزايد معدلات الجريمة مع ضعف مستويات العدالة حيث يملك واحد بالمئة من الأسر الأمريكية قرابة ثلث إجمالي الثروة في الولايات المتحدة، ناهيك عن التخبّط الأمريكي في تحقيق مستويات مقبولة في الحصول على الرعاية الصحية، وهناك أيضاً ظاهرة استغلال المراهقين في أعمال تنتهك حقوق الأطفال الجسدية، علاوةً على خطورة امتلاك الأسلحة الفردية في معدلات عالية على مستوى تعداد السكان، إلى جانب تزايد مشاعر الانفصال في بعض الولايات كتكساس وكاليفورنيا، وهو دليل على ضعف أداء الحكومة المركزية الأمريكيّة، وأيضاً الشعور بأن الانفصال سيحقق الكثير من العدالة والرفاهية والتقدّم لسكان بعض الولايات الأمريكية.
No Result
View All Result