تصنف لوحة “الموناليزا” للفنان الإيطالي ليوناردو دافينشي، بأنها العمل الفني الأشهر على الإطلاق في تاريخ البشرية، إذ ما زالت حتى اليوم، بعد ما يزيد على 500 عام من تشكيلها بهويتها الغامضة، وبلغز ابتسامتها، موضوعاً دسماً للاستقصاء المستمر من قبل جموع الباحثين والفنانين، ولم تزل وهي المعلقة خلف لوح زجاجي مقاوم للرصاص في متحف اللوفر تسبغ على أي حدث يرتبط بها قدراً كبيراً من الاهتمام والمتابعة الإعلامية، والشعبية، كثرت التكهنات حول شخصية الفتاة التي تضمنتها اللوحة، وخضعت لتفسيرات عديدة من قبل العلماء والمؤرخين، وأجمع كثر على أنها لـ “ليزا ديل جيوكوندو، البالغة من العمر 24 سنة، وهي أم لخمسة أطفال، وزوجة تاجر حرير ثري فلورنسي، ومن هنا جاء اسمها الآخر “الجيوكاندا”.
بينما اقترح رأي آخر طرح من قبل سيغموند فرويد أن تكون الشخصية هي “كاترينا” والدة ليوناردو، إذ اعتقد فرويد أن ابتسامة “الموناليزا” الغامضة نشأت من عمق الذاكرة “غير الواعية” لدافينشي المحتفظة بابتسامة “كاترينا”. أما الاقتراح الثالث، وكان الأكثر جدلاً، فهو أن الصورة كانت في الواقع لليوناردو نفسه، أو النسخة الأنثوية له، نظراً إلى التشابه الكبير في الوجه بين ملامحه وملامح السيدة، وهنا يجادل بعض العلماء أن التنكر بشخصية امرأة، كان اللغز الأساس لدافينشي في هذه اللوحة.
لكن حتى اليوم لم يتم إثبات هويتها بشكل قاطع، كما لم تحسم محاولات تسوية الجدل من خلال البحث عن رفات “ليزا ديل جيوكوندو” وإجراء اختبار لحمضها النووي، وإعادة تكوين صورة لوجهها.
وحسب المختصين اتبع ليوناردو في أسلوب تشكيله للوحة تقنية “سفوماتو”، وهي طريقة رسم متبعة في عصر النهضة، وارتبطت بـ”ليوناردو دافينشي” الذي كان من أبرز ممارسيها بناءً على أبحاثه في البصريات والرؤية البشرية، وتجاربه مع حجرة التصوير المظلمة، ونفذها في عديد من أعماله، بما في ذلك “عذراء الصخور”، كما تجلت في لوحة “الموناليزا” تحديداً في ثوب السيدة وابتسامتها.
أحدثت “الموناليزا” ثورة في عالم الرسم المعاصر، وأصبحت الوضعية، التي رسمت بها “الثلاث أرباع” معياراً أساس في الرسم، كما شجعت رسومات ليوناردو الأولية فنانين آخرين على إجراء دراسات أكثر حرية للوحاتهم، وحفز الفنانين على العمل الحر والتفكير المختلف واتباع المواضيع ذاتها، ونشر مفاهيم جديدة في عالم الفن، وتبع خطاه فنانون كثر مثل رافائيل، الذي اعتمد “الموناليزا” كنموذج في لوحات البورتريه كان أشهرها لوحة “مادالينا دوني” عام 1506.
يعزو البعض سبب الشهرة العامة الكبيرة لـ”الموناليزا” إلى حادثة السرقة، التي تعرضت لها عام 1911 وما تلاها من تركيز إعلامي عالمي، فعلى رغم استحواذ متحف اللوفر على اللوحة عام 1804، فإنها لم تجتذب كثيراً من الزوار حتى عام 1911، عندما رسختها عناوين الصحف بقوة في الوعي العام، الأمر الذي شكل حدثاً جاذباً دفع الأهالي إلى زيارة المتحف، وتفقد مكان اللوحة الفارغ، فالفضول دفع الأهالي لمتابعة الأخبار ومعرفة من الذي استطاع سرقة اللوحة وكيف تم ذلك، وأسهم في استمرار توجيه الأضواء عليها حتى عودتها ثانية إلى مكانها لتصبح بعد استعادتها أعلى قيمة من ذي قبل.
وهناك أيضاً أسباب فنية تتعلق في تقنية الرسم والترميز العالي، إذ تعد “الموناليزا” واحدة من أكثر اللوحات رمزية في تاريخ الفن، إذ جعلتها تقنية التكوين المتبعة من أكثر الأعمال، التي خضعت للدراسة في تاريخ الفن، كما أضفى عليها لغز الشخصية وغموض الابتسامة، التي ضمنها ليوناردو سحراً خاصاً جعلها موضع دراسة لدى كثير من الفنانين المبتدئين، وكان التحدي دائماً هو كشف لغز هذه اللوحة، إضافة إلى قوة التأثيرات البصرية اللافتة في عيني المرأة، إذ يقول البعض إنهم يشعرون كما لو أن “الموناليزا” تراقبهم بعينيها بغض النظر عن مكان وقوفهم، هذا الاتصال البصري الذي يغذي التفاعل العاطفي بين المشاهد والمرأة يوضح قوة معارف دافينشي العلمية والتشريحية.
ويلمح البعض الآخر إلى أسباب سياسية وسلطوية تتعلق بقرب دافينشي من بلاط ملك فرنسا “فرنسيس الأول”، الذي ضم اللوحة إلى مجموعته الملكية لتسكن قصور فرنسا حتى اندلاع الثورة، ثم تحولها لتصبح ملكية عامة، وتكرس مع الوقت كواحدة من أثمن اللوحات التي أضيفت إلى الأعمال المعروضة في “اللوفر” اليوم.
وكالات