No Result
View All Result
هيفيدار خالد_
بينما يسير العالم نحو مزيد من التقدم والتطوّر في شتى مجالات الحياة المختلفة، وتتصاعد جهود المنظمات النسوية الساعية لتحقيق حرية المرأة، وتتكثف المناشدات والنداءات بضرورة تحقيق مطالبها في الحياة الحرة والقضاء على البنية الذهنية للأنظمة الذكورية والسلطة الأبوية في شتى أنحاء العالم، تواجه المرأة العربية العديد من التحديات في مسيرتها العملية والمهنية والسياسية.
ما زالت المرأة العربية تعاني إقصاء كبيراً، وتهميشاً ممنهجاً في المجتمع، رغم كل ما بُذِلَ من جهود لتخليصها ممّا هي عليه، ومع أن نضالها يُعدّ إحدى ركائز الاستقرار المجتمعي، فإنه لا يحظى بدعم من حكام الدول العربية، الذين يتجاهلون عمداً قدرتها ودورها الريادي في المجتمع، ويغفلون عن الفارق، الذي تستطيع أن تشكله، حال انخراطها في أي مجال من مجالات الحياة المختلفة، وخاصة حصولها على حقوقها السياسية، ومشاركتها الفعّالة في مراكز صنع القرار.
صدور نتائج الانتخابات التشريعية الكويتية لاختيار أعضاء مجلس الأمة 2023، وحصول المعارضة على غالبية المقاعد في البرلمان، وفوز امرأة واحدة فقط، خلق في أعماقي رغبة للبحث في ملف الديمقراطية والحريات والمرأة وحقها في الترشح والتصويت في الدول العربية، ولو عادت بنا الذاكرة قليلاً، لوجدنا أن هذه النتيجة ليست ببعيدة عن نتائج الانتخابات الكويتية لعام 2020 عندما خسرت المرشحات كافة تمثيلها بالبرلمان، ومن بينهن النائبة الكويتية صفاء الهاشم، التي كانت قد فازت في انتخابات عام 2012 وشغلت منصب مقرر لجنة الشؤون الاقتصادية آنذاك، بالإضافة لفوزها عامي 2013 و2016، إلا أنها خسرت في انتخابات 2020. وبخسارتها غابت الوجوه النسائية بشكلٍ كاملٍ عن البرلمان لأوّل مرّة منذ السماح للمرأة الكويتية بحق الترشّح للانتخابات عام 2005، وتحديداً في 16 أيار، وكان قد أيد قرار ترشح المرأة للموقع النيابي في الانتخابات والإدلاء بصوتها 37 عضواً، ورفضه 21 آخرون. بذلك أُلحقت ضربة قاضية لجهود المرأة الكويتية ونضالها من أجل تحقيق مكاسب سياسية في البلاد.
فوز امرأة واحدة فقط، في دولة كالكويت تدّعي أنها دولة الحقوق والحريات، وأنها حققت العديد من الإنجازات في هذا المجال، يكشف لنا حقيقة ما تدّعيه، وكم هو حجم تشبث المنظومة الأبوية المتمسكة بمختلف مفاصل الحكم من أصغر مؤسسة في البلاد حتى رأس هرمها، جميعها محصنة بالذهنية الذكورية، التي تعمل على إقصاء المرأة من المراكز المهمة في الدولة لا سيما القضائية والتشريعية منها، حقوقها فيها ثانوية إن لم تكن منسية، خاصة وأن مبدأ الديمقراطية الحقيقية فيها ينطلق من أن مكان المرأة المنزل وليس الساحة السياسية.
وعلى الرغم من الجهود الكبيرة، التي تخوضها المرأة ضد هذه الانتهاكات والسياسات المتبعة ضدها منذ الخمسينات، إلا أنها ما زالت تواجه تحديات كبيرة في هذا المجال. ولم تصل بعد إلى تمثيل حقيقي يصون كرامتها أمام معترك غير متكافئ معروف النتيجة سلفاً.
ففي الكويت ما زال المجال الدبلوماسي مغلقاً نسبياً أمام المرأة، إذ لا يسمح لها بلوغ مراتب عليا، حتى تلك التي خاضت التدريب الدبلوماسي نفسه، فهي لا تتقلد إلا منصب “باحثة سياسية” لا غير.
الكويت هي من احتلت المرتبة ما قبل الأخيرة خليجياً في نسبة مشاركة المرأة في تقلّد المناصب الوزارية، والوظائف القيادية العامة، وعلى الرغم من ارتفاعٍ طفيف في نسب تمثيل المرأة في المجالس التشريعية والنيابية تبقى مشاركتها محدودة، وفيما تتنافس دول الخليج العربي في رفع نسب تمثيل المرأة في المؤسسات التشريعية، حلّت الكويت في المرتبة الأخيرة خليجياً في نسبة التمثيل النسائي في البرلمان ومجالس الشورى.
وحسب هيئة المرأة بالأمم المتحدة، فقد جاءت الكويت في المركز 179 من أصل 193 فيما يخص تمثيل المرأة في البرلمان في عام 2020، ذلك أن نظامها الانتخابي وقف كأحد أبرز المعوقات أمام تمثيل المرأة، فنظام “الصوت الواحد” الذي يقضي بتصويت كل ناخب لفائدة مرشح واحد لعضوية مجلس الأمة في الدائرة المسجل بها، وأي صوت يمنحه لأكثر من مرشح يّعدّ باطلاً، ويجعل فوز المرأة بمقعد نيابي مهمة صعبة، ويضعها أمام تحدٍّ في إيصال صوتها وقضيتها وتطلعاتها للمجلس لمناقشتها وحلها تحت قبة البرلمان.
ومع أن الكويت كانت من بين الموقعين على اتفاقية سيداو العالمية المعنية بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في عام 1994، إلا أنها انفردت في التحفظ على المادة السابعة من الاتفاقية، التي تنص على المساواة بين الجنسين في التصويت الانتخابي، والترشح والمشاركة في صياغة سياسة الحكومة وتنفيذها، وشغلها في الوظائف العامة.
نعم المرأة الكويتية محرومة من الحقوق الاقتصادية الممنوحة للرجال. فالأحكام التمييزية في قانون الأحوال الشخصية تقوّض أهلية المرأة للمشاركة الكاملة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد. ولا تعترف سوى بالرجال أرباباً للأسر؛ ما يجعلهم يتلقون المزيد من الاستحقاقات الاجتماعية بما في ذلك استحقاقات الإعالة، الأمر الذي أدى إلى فرق في المعاش التقاعدي المدفوع، بحسب تقارير أممية. وتعاني المرأة من بطالة كبيرة حيث بلغت نسبة البطالة بين صفوف النساء الكويتيات مستويات عالية خلال الفترة الأخيرة.
إلى جانب ذلك، ما زالت العديد من الممارسات والانتهاكات التي تطبق بحق المرأة في المجتمع الكويتي تعزز من الصور النمطية عن مكانة المرأة والرجل، خاصة أن نظام التعليم في البلاد ما زال يفصل بين الجنسين في المرحلتين الابتدائية والثانوية، ويخصص بعض الدروس للفتيات فقط؛ مثل دروس فن الطبخ والخياطة والتطريز والتدبير المنزلي. فالمناهج التعليمية هناك تكرّس الصورة التمييزية لدور المرأة في المجتمع.
المفهوم السائد، والمهيمن في المجتمع الكويتي، هو أن الدور المنوط بالمرأة في الدرجة الأولى، هو العمل المنزلي. ذلك من تربية الأطفال إلى غيرها من أعمال المنزل، التي كانت حصراً على المرأة دون غيرها، لا سيما وأن قانون الأسرة لا يسمح لها بالمشاركة الفعلية في جوانب الحياة الأخرى. حالها في ذلك حال الكثير من النساء في العديد من الدول العربية، التي لا تستطيع المرأة إبلاغ الشرطة عن حالات العنف، التي تتعرض لها في المنزل، بل تحاول التستر عليها والتطرق للحلول الودية، كما يقولون التي تقتصر على “لفّ الموضوع” وكتم صوت المرأة، التي لم تعتد المطالبة بحقها.
والحديث في هذا الخصوص يطول ولا يكاد ينتهي، ولكن فوز مرشحة “وحيدة” في تلك الانتخابات يكشف مدى هيمنة الذهنية الذكورية، ووقوفها عائقاً أمام حصول المرأة على حقوقها السياسة في الكويت، فالمقعد الوحيد الذي حصلت عليه تلك المرشحة لا يتسع لآمال الكويتيات جميعها، مقعد واحد مهما بلغت قوته، فما عساه أن يفعل؟ أمام كل هذا الجمود، الذي لا يكاد ينفك عن المرأة أبداً، أبداً لا يعني بأنها حققت مكاسب على الأرض، وبأن كل شيء قد انتهى.. لا تزال هناك تحديات في سبيل القضاء على التمييز ضد المرأة، وخلق أرضية سوية تتيح للمرأة ممارسة حقوقها السياسية كاملة دون أي استثناء.
فالمرأة الكويتية بحاجة لنضال سياسي أكبر؛ لكي تستطيع الدخول في البرلمان بعدد أكبر، وتصبح صاحبة إرادة سياسية حقيقية مستقلة. وأما القوانين والقرارات الصادرة عن الدولة بهدف القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، فلا يعوّل عليها صراحة، لأنها في معظمها تنقلب ضد المرأة وبدل من أن تقدم لها الحلول تعرقل قضاياها، وتسد الطريق أمام انخراطها في المجالات التي تسعى لإبراز دورها من خلالها.
النضال السياسي والفكري هو السبيل الوحيد لوصول المرأة الكويتية إلى أهدافها في الحياة، وبذل جهود جبارة في شتى مجالات الحياة، وإبراز دورها الريادي من الآن وصاعداً، وتعزيز نشاطها الحقوقي أكثر لنيل حقوقها والحفاظ على مكتسباتها التي حققتها بجهودها الذاتية.

No Result
View All Result