خضر الماغوط_
دخل رجل عريض المنكبين، إلى صالة عرض واسعة للفنون التشكيلية، وهو يعتمر قبعة سوداء، ويضع على عينيه نظارة سوداء أيضاً كبيرة الحجم تغطي نصف وجهه تقريباً.
وقف أمام أول لوحةٍ صادفها، قرب مدخل صالة العرض، ولم يبرح مكانه، وصار يسترق النظر إلى ساعته أحياناً، وإلى الشارع عبر الواجهة الزجاجية أحياناً أخرى.
كان الزوار يتجولون في أرجاء المعرض، يشاهدون اللوحات المعروضة، بينما هو استمر وقوفه في المكان نفسه؛ ما لفت نظر الفنان صاحب اللوحة، الذي اقترب منه محيِّيه قائلاً:
أهلاً بك أستاذ، شكراً لوقوفك الطويل في تأمل لوحتي، هل أنت ناقد تشكيلي أم باحث فني؟
فلما أجاب الرجل بالنفي، ذهب الرسام في حال سبيله.
ثمّ دنا منه أحد الزوار قائلاً: فعلاً لوحة جميلة جداً، تستحق التوقف والتأمل العميق، انظر إلى روعة المزج بين الأخضر والأصفر، وتدرج البنفسجي بينهما.
هزّ الرجل رأسه موافقاً، وهو ينظر إلى ساعته وإلى الشارع.
اقترب منه صاحب الصالة، عارضاً عليه إمكانية المساومة لشراء هذه اللوحة الرائعة، فلم يتكلم هذا الزائر الغامض، بل اكتفى بهز رأسه بإشارة النفي، وعدم الموافقة، واستمر في النظر إلى ساعته والشارع.
ثم اقترب منه صحفي شاب، ذو شعر طويل بجديلة، قال له:
أستاذ يظهر عليك التذوق الفني، لهذا النوع من التشكيل التناغمي المندرج في خانة اللاهوتية التفاعلية، هل بإمكانك أن تشرح لي مستوى التناغم الفكري بين هذه اللوحة، وبين ماهية الجدار المعلقة عليه؟
في اللحظة ذاتها، ظهرت امرأةٌ من خلف الزجاج في الشارع، تحمل العديد من الأكياس. أسرع الزائر الغامض خارجاً من الصالة، تاركاً الصحفي الشاب منهمكا في سؤاله.
تناولَ الأكياس من يدها، إنها زوجته التي انتهت من جولتها في السوق، بينما كان هو في انتظارها داخل صالة العرض المكيفة، هرباً من رداءة الطقس في الخارج…!!!