مصطفى رستم_
بالقرب من موقع أوغاريت الأثري بالساحل السوري، تموضع تل الشامية الواقع في ريف اللاذقية، وعلى ترابه توزع خبراء وعلماء آثار من دولة التشيك، وبحذر تناولوا أدواتهم الصغيرة يتحسسون الأرض والتراب إيذاناً ببدء أعمال البعثة المشتركة للموسم الخامس على التوالي، وذلك بأكثر التلال الأثرية، التي يعود تاريخها إلى عصري البرونز، والحديد.
ومن المتوقع حسب القائمين على عمل البعثة المشتركة التشيكية والسورية العثور على مقتنيات مهمة، لا سيما أنها تواصل بحثها في منطقة تسمى “الأكروبول” والمدافن، وتترافق الأعمال أيضاً مع استكمال المخططات الطبوغرافية، المرتبطة باكتشافات مهمة وصلت إليها البعثة عن استيطان الإنسان لهذا التل.
ويعود تل الشامية إلى العصر البرونزي القديم وبداية العصر البرونزي الوسيط، مع العثور على هياكل عظمية برية مترافقة مع خناجر، تشير الدراسات إلى أنها خاصة بصيادين، أو محاربين.
كسر العزلة
في الحرب التي طالت سوريا، وتوقف البعثات الأثرية الأجنبية، لا سيما الأوروبية في المواقع الأثرية، حاولت العاصمة التشيكية عدم الانقطاع عن دورها العلمي، إذ كسرت عزلة سوريا في “المجال العلمي” الخاص بالآثار، وظلت تدرس موقع “تل الشامية” الواقع بالريف الشمالي لمحافظة اللاذقية، الذي يبعد عن المدينة 15 كيلومتراً بينما يرتفع عن سطح البحر 50 متراً.
والشامية قرية سياحية مطلة على البحر، تقع أيضاً من الجهة الغربية الموازية لشاطئ البحر المتوسط، وعلى مساحة واسعة جداً من قريتي كرسانا، وبرج القصب جنوباً حتى قرية برج إسلام، والشبطلية شمالاً.
أما تسمية (الشامية) فهي كلمة آرامية معناها الحسناء، وتعني أيضاً الشامة على خد البحر، مع تنوع فريد بين السهل، والجبل، والتل والوادي، مع ما تزخر به من احتوائها على الأنهار والينابيع.
وكانت البعثة السورية توصلت إلى نتائج هامة من حيث موقع التل الجغرافي، الذي يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وما يحتوي على قصر وقبور، علاوة على دراسة علاقته مع مملكة أوغاريت. وتحدث خبراء من المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية عن التحاق بعثة محلية بالموقع لعدة مواسم، تمكنت من اكتشاف الاستيطان في هذا التل، إذ قدر الأثريون أن الموقع يعود إلى العصر البرونزي الحديث.
استكشاف متوقف
في غضون ذلك، يرى معاون مدير عام الآثار والمتاحف في سوريا مدير مديرية التنقيب “همام سعد“، أنه من الضروري إطلاق مبادرات لتأهيل المناطق، التي تعرضت إلى الضرر نتيجة الحرب والزلزال، بخاصة أن معظم البعثات الأثرية توقفت منذ عام 2011 عن العمل بسبب ظروف الحرب.
وقال سعد في حديثه، إلى “اندبندنت عربية”، إنه “وفي وقت توقف البعثات الأجنبية عن العمل ظلت البعثة الهنغارية بقلعتي المرقب والحصن، وكذلك البعثة التشيكية في تل الشامية باللاذقية، وخلال الفترة الأخيرة عادت البعثة الإيطالية للعمل كما هو الحال في موقع “إيبلا” الأثري بريف إدلب، وكذلك بمواقع تل طوقان، وتل فرزت بريف دمشق، وكلها بعثات مشتركة مع الخبراء المحليين، وكذلك في عمريت، وعادت بشكل رسمي مع المديرية العامة للآثار والمتاحف والهدف الأساسي ليس التنقيب، لكن لتقدير الضرر ووضع خطة مستقبلية لإعادة ترميم المواقع، التي تعرضت للأضرار”.
من جانبها واصلت البعثة التشيكية صلاتها بدمشق من بوابة الآثار والحفاظ على التراث، وسبق تدشين الموسم الخامس هذا العام في تل الشامية، وافتتاح معرض للآثار السورية بمدينة براغ، (نيسان) الماضي بمبنى المتحف الوطني التشيكي.
أما مدير المتحف الوطني ببراغ ميخال لوكيشن، فأشار إلى متحف مدينته، الذي يحتضن للمرة الأولى آثاراً سورية، ويعرضها في العاصمة، مبيناً أن العلاقة مع دمشق مستمرة.
وقال في تصريح صحفي: “براغ ترسل مواد خاصة إلى سوريا سعياً منها إلى الحفاظ على الآثار هناك وترميمها، فيما توجد بعثة تشيكية للتنقيب عن الآثار منذ عام 2018 في موقع تل الشامية، وربما يتم جلب قطع أثرية سورية أخرى لترميمها في براغ بعد تسلم 20 قطعة مؤخراً”.
ونبه سعد إلى أن العقوبات الأجنبية على بلاده لم تنل من القطاع الاقتصادي فحسب، بل شملت أيضاً القطاع الثقافي، إذ توقفت جميع البعثات، التي عملت في سوريا كالبعثات الألمانية، والفرنسية، وغيرها، ومنعت من التواصل مع دمشق، ما أثر على المواقع الأثرية بما فيها عدم وصول أي مواد ترميم، وحاجات، وأدوات، ومعدات مرافقة لهذه البعثات.