ريما آل كلزلي_
في البدء كانت اللّغة، وهي قبل السّرد، ومنها يبدأ الكاتب باستدراج القارئ عبر مطبّاتها، لذا أشار (دي سوسير) أن اللغة هي الوعاء لجميع مظاهر الكلام، ومنها ينطلق السرد ليكون من أهم وظائفه، وأنّه يستطيع التعبير عن تجربة الشخصيات، والمقصود بالشخصيات هنا، ليس فقط الحديث عن التجربة الخاصة للكاتب، بل أيضًا ترك المجال للأبطال والشّخصيّات، التي يصنعها الكاتب، وتدخل في نسيج الأحداث المرويّة، لتعبر عن تجربتها الخاصة، وفي السّرد الحديث يطلق على هذه الظاهرة اسم تعدد الأصوات، أي أنّ المؤلف يعطي للأبطال والشّخصيات استقلالهم الخاص، ويسمح لهم أن يعبروا عن وجهة نظرهم، بأسلوبهم، ولا يكتفوا بأن يكونوا مجرّد تكرار لأفكار المؤلف وقناعاته، ويعبّر تعدّد الأصوات بدوره عن قدرة السّرد على النّفاذ إلى التّجارب الإنسانيّة المتعدّدة بما يتيح المجال للشّخصيّات التّابعة، أو الثّانويّة أو المهمّشة بالتّعبير عن نفسها، في حبكة سرديّة روائيّة، أو قصصيّة خاصّة.
ولا يخفى أن المجتمعات الغربيّة تعيش مشكلاتها الخاصّة، التي تختلف عن المشكلات، التي يعيشها الشّرق، ولهذا فإن الإشكالات الفكريّة فيها تختلف أيضًا، عن نظائرها في مجتمعاتنا. وإذا كانت الحرّية الفكريّة المتاحة في الغرب قد سمحت لمنظّرات الحركة النّسويّة، أن يصلن إلى الكتابة الجريئة، فإنّ مجتمعاتنا المحافظة في العالمَين العربي والإسلامي، مازالت تعاني من المشكلات التّقليديّة، التي تعانيها شعوب العالم الثالث، والتي مازالت المرأة فيها مقيّدة بالقوانين، والأعراف الاجتماعيّة، التي تحمّلها بمختلف الأعباء، ولذلك فالحركات النّسويّة في المجتمعات المحافظة، تخوض معارك تختلف عن المعارك، التي تخوضها الحركات النسويّة في الغرب.
وإذا أردنا الحديث عن الاغتراب كمحور ثالث في الكتابة، فنحن لانقصد مجرّد الغربة الجغرافيّة، أو المكانيّة بل نقصد الاغتراب الرّوحي، الذي تعانيه الكاتبات بالتّحديد، ولا سيما من يكتبن في حقل السّرد الأدبي في الرّواية أو القصّة، إذن فنحن نتحدّث عن أبنية سرديّة للتعبير عن تجربة الاغتراب الرّوحي، ومواجهة قساوة الظروف الاجتماعيّة، التي تعيشها المرأة، ويفترض أن يعبّر عنها السّرد تعبيرًا خاصّا، وفق قوانينه السردية، لا وفق المشاريع الأيديولوجية أو وجهات النّظر الفكريّة.
في النهاية الفن السّردي إبداع يتمثل في قدرته على تحويل التجارب الشخصية إلى أمثلة حياتيّة عامّة، وبذلك يخرج التجربة عن إطارها الشخصي ويجعلها منفتحة على التطابق مع أيّة تجربة أخرى.
وسواء أكان السرد يقدم شخصيات واقعية أم متخيلة فإنه لا يتحول إلى سرد فني، إلا عندما يجعل نماذجه تخرج من إطارها الشخصي وتُفتح على الإطار العام، الذي ممكن أن ينطبق على مختلف الأفراد في المجتمعات المختلفة.
وإني لأرجو أن تكون الشخصيات، التي خلقتُها في أعمالي الروائية مثالاً حياً لما قصدت، وأكون قد تمكنت من تحويل تجاربهم الشخصية إلى تجارب عامة، يلونها ويؤطرها السرد بتقنياته الإبداعية.