لم تستوعب القوى الإقليمية والدولية، التي تنشط في سوريا، بما فيها حكومة دمشق أنّ ما يقود العلاقة بين الدول الآن هي التحالفات لا المصالح، أي بعكس ما كانت عليه هذه العلاقة في السابق، وهذا العنوان العريض هو ما يفسّر هدف زيارة رئيس الأركان الأمريكية مارك ميلي إلى روج آفا.
من الملاحَظ أنّ هذه الزيارة تأتي في الوقت الذي تدرك فيه الولايات المتحدة الأمريكية، أنّ الشرق الأوسط الجديد الذي بشّرت به وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، الذي يمكن القول: إنّه قد بدأ منذ سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين، وحتى قيام الحرب الروسية – الأوكرانية، وتحديداً خلال عقدين من الزمن، أخذ بالانتقال من صراع المصالح إلى صراع التحالفات، ومن هنا بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بمراجعة سياساتها في الشرق الأوسط التي تتّسم ملامحها بالتخبّط حيناً، بدءاً من الانسحاب من العراق والإبقاء على قواعد عسكرية في باشور “جنوب كردستان”، والانسحاب من أفغانستان بشكل كامل والتجاذبات مع دول الخليج بعد وقف دعمها عسكرياً وأمنياً من تعدّيات إيران في المنطقة، وحيناً آخر بالتوظيف الاستراتيجي النشط الناجح، وهو ما يحصل لعلاقتها مع قوات سوريا الديمقراطية في سوريا.
يمكن ملاحظة علاقة الولايات المتحدة الأمريكية مع قوات سوريا الديمقراطية قد أخذت بالتطوّر من مستوى قوة عسكرية محلية لمقاتلة داعش، الذي عَظُم خطره في عام 2014 بعد سيطرته على مناطق عدة بدءاً من ريف حلب الكبير، الذي يضم كلًّا من جرابلس والباب، ومنبج، وكوباني، إضافة إلى عاصمة الخلافة المزعومة مدينة الرقة مروراً بكبرى مدن العراق مدينة الموصل، حينئذ لم تجد واشنطن من بدّ سوى الاعتماد على قوات سوريا الديمقراطية للحفاظ على مصالحها في المنطقة، وبالأخص أنّ تركيا عضو في حلف الناتو ولم تؤدّ الدور الحيوي بهذا الشأن، بل على العكس تماماً أصبحت بؤرة لتفريخ عناصر داعش من وإلى العالم.
بعد نجاح قوات سوريا الديمقراطية في الاختبار حملت تركيا حقدًا عليها؛ كون هذه القوات قد أفشلت مخطّطاتها بالسيطرة على مناطق خارطة” الميثاق الملي“ووراثة تركة داعش في المنطقة، وخاصة بعد حسم حملة الباغوز “حملة تحرير الريف الشرقي لدير الزور”.
إن سياسة واشنطن تجاه قوات سوريا الديمقراطية تقوم على المصالح المتبادَلة، وبالأخصّ إبّان حكم الرئيس دونالد ترامب، الذي اتّبع سياسة ”المال مقابل الحماية“ ليس فقط في سوريا، بل حتى مع دول الخليج وتحديداً مع المملكة العربية السعودية في قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي، إضافة إلى كونه قد منح الضوء الأخضر لتركيا من أجل الهجوم والعدوان على مناطق كري سبي وسري كانيه واحتلالهما، لكن ذلك لم يمرّ مرور الكرام بل أبلغت قوات سوريا الديمقراطية الولايات المتحدة الأمريكية أنّها ستقوم بإيقاف العمليات العسكرية لقتال داعش ما لم تغيّر من سياستها حيال فرض حالة من استتباب الأمن في المنطقة.
أمّا المستوى الثاني، فقد بدأ مع تبوّء الرئيس جو بايدن حكم البيت الأبيض وانتهاج الإدارة الأمريكية سياسة أكثر تشدّداً مع الملف السوري تجاه الحل على أساس اتفاق جنيف، لا سيّما مع الدول الفاعلة في سوريا وأيضاً أكثر مقاربة مع قوات سوريا الديمقراطية بعد النجاحات الكبيرة التي تحقّقت على يديها؛ على سبيل الذكر لا الحصر مقتل زعيم داعش أبو بكر البغدادي، ومقتل العديد من القياديين من زعماء داعش في مناطق متفرّقة من المناطق المدعومة من الدولة التركية، والتي تسيطر عليها كل من هتش أو ما يُسمّى بالجيش الوطني، إلى دعم لوجستي لا محدود ناهيك عن تدريبات عسكرية ثنائية تحاكي حرب الشوارع بعد انكفاء داعش في المنطقة. ويمكن القول: إنّ هذا المستوى قد انتقل من حالة دعم القوة العسكرية التي كانت من مهامها دحر داعش إلى حالة من الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين وفق ثلاثة وجوه، أوّلًا الوجه العسكري: وفيه انتقلت العلاقة بينهما من حالة جسّ النبض إلى حالة الثقة، بعد النجاح، الذي حقّقته هذه القوات من جهة ومن جهة، أخرى حجم التضحيات، التي قدّمتها القوات، حيث تجاوز عدد الشهداء أحد عشر ألف شهيد.
ثانيًا الوجه السياسي: وفيه انتقلت العلاقة من حالة المصالح إلى حالة التحالف، أي أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد تنظر إلى قوات سوريا الديمقراطية على أنّها قوة تقاتل وتؤدّي ما هو مُناط بها لهزيمة داعش المتشدّد فقط، بل تمّ اعتمادها من قِبَلها بمثابة شريك استراتيجي، لا سيّما بعد التطوّرات السياسية المتسارعة العالمية، والتي تأتي على رأسها الحرب الروسية – الأوكرانية، واستفحال التغلغل الإيراني في المنطقة، وأيضاً دخول الصين قوة سياسية واقتصادية إلى المنطقة؛ لأجل كلّ ذلك كان لابدّ للولايات المتحدة الأمريكية من تثبيت قواتها في المنطقة؛ تحسّباً لأية متغيرات عالمية جديدة.
ثالثًا الوجه الدبلوماسي: حيث انتقلت فيه العلاقة بين الطرفين من مستوى تمثيل وتنسيق عسكري في قتال داعش إلى مستوى تمثيل دبلوماسي بافتتاح مكتب في واشنطن، ويُضاف إلى كل ذلك سلسلة الزيارات المتبادَلة لسياسيين أو ناشطين من المجتمع المدني أو العسكري الأمريكي، أو العكس، حيث زيارة بعض مسؤولي مجلس سوريا الديمقراطية لواشنطن، ومن ذلك زيارة نائبة رئيس المفوضية الأمريكية للحريات الدينية الدولية نادين مايينزا، ومؤخّراً زيارة رئيس الأركان الأمريكية مارك ميلي إلى روج آفا التي تُعدّ أول زيارة لمسؤول أمريكي رفيع المستوى بهذا القدر من الأهمية.
قال ميلي في حديثه عن القوات الأمريكية الموجودة في سوريا”: إنّ نشر تلك القوات في سوريا منذ ما يقارب من ثمانية أعوام لمحاربة داعش لا يزال يستحقّ المخاطرة، لكن بخلاف ما أُعلِن من أنّ الهدف من زيارة ميلي لشمال وشرق سوريا هو تقييم عمليات محاربة داعش، إلّا أنّه في واقع الأمر هناك العديد من الرسائل التي أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن توجّهها، وترتبط بقضايا مختلفة:
الأولى: إنّ قتال داعش بالشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية هو أمر حيوي في منطقة تشهد كثيراً من التهديدات على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة تمدّد إيران في سوريا ولبنان.
الثانية: الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية قد سمحت بإنشاء قواعد عسكرية أمريكية متقدّمة في وسط سوريا، وهذا ما سمح لها بالدفاع عن حلفائها، ما يعني عزل إيران من الشرق وتطويق مشروعها التوسّعي.
الثالثة: تعزيز الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية، والذي تجلّى مؤخّراً بتصويت الأغلبية في البرلمان الأمريكي لرفض المجلس قراراً بسحب القوات الأمريكية من سوريا، حيث صوّت 103 مشرّعين فقط لصالحه، فيما صوّت 321 ضدّه.
الرابعة: من ثمار الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية رفض الولايات المتحدة الأمريكية لأيّ عمل عسكري أُحادي الجانب من قِبَل تركيا ضدّ قوات سوريا الديمقراطية الحليف الاستراتيجي، وهو ما عملت عليه تركيا في فترات سابقة لنيل ضوء أخضر لشنّ هجوم على مناطق الإدارة الذاتية، لكنّ تلك المحاولات دائماً ما كانت تواجَه بالفيتو الأمريكي.
الخامسة: الدفع بالعملية السياسية في سوريا إلى مزيد من التقدّم والذي لن يمرّ إلّا بأخذ مصالح قوات سوريا الديمقراطية بالحُسبان في أيّ حل سياسي مرتَقَب والقائم وفق مرجعية اتّفاق جنيف.
السادسة: رفض أي مسار تفاوضي أو تطبيع مع النظام السوري من شأنه عودته إلى محيطه الإقليمي والعربي، حيث برز الموقف الأمريكي بأنّه رافض لأيّ تقارب بين تركيا والنظام السوري أو بين الأخير ودول عربية، وبالأخص أنّ الإدارة الذاتية قد أصدرت مبادرة تطالب بتعزيز الجهود العربية والدولية للضغط على النظام السوري لحثّه على تغيير سلوكه تجاه المطالب الشعبية المؤيّدة للمبادرة تجاه حلّ الأزمة السورية.





