وليد بكر (عضو منتدى حلب الثقافي)_
في الأوّل من أيار من كل عام تحتفل الطبقة العاملة بعيد العمال العالمي، فما هو هذا العيد، وما هو تاريخه؟
يعود الفضل في تطور الحياة إلى جهد وكدح العامل، فبسواعد العمال والكادحين وتضحياتهم الشاقة تُبنى أسس ودعائم الوطن، ولولاهم لما سكنَ الإنسان في بيوت مرفهة واستخدم وسائل الحضارة لأجل راحته، صحيح أن جميع فئات المجتمع تشارك في بناء صرح التقدّم والحضارة، لكن العامل والكادح في الحقول والمصانع يتحمّل القسط الكبر في المشقة والتعب الجسدي والعضلي إضافةً للمسؤولية الذهنية.
نتيجة استيلاء كبار الملّاكين والأسياد على وسائل الإنتاج فيتربعون على ثمار كدحم وينهبون جهدهم وذلك بالاستحواذ على فائض الإنتاج وبالتالي يربحون ويكدسون الأموال، ولأجل الربح الأعظمي يُزيدون من ساعات العمل ويمنحون أجوراً بخسة للعمال لا تسد رمقهم، وكل ذلك بظروف عمل سيئة تؤدي إلى الأمراض وإفناء الحياة قبل الأوان.
ومنذ غابر الأزمان يقوم العمال والكادحين بانتفاضات وثورات ضد الأسياد لنيل حقوقهم العادلة في تحسين ظروف العمل وزيادة أجورهم بما يُلائم ما يلاقونه من تعب وجهد، وجور، وذلك منذ ثورة العبيد التي قادها “سبارتاكوس” في روما /70/ ق.م وإلى يومنا هذا.
ونتيجة التقدّم الهائل للثورة الصناعية في أوروبا والدور الكبير والمؤثر للعمال في زيادة الإنتاج، والأرباح الطائلة التي يحصل عليها أرباب العمل جراء ذلك، ورداً على المعاملة السيئة التي تلقاها العمال من قبل أصحاب المعامل والمصانع، ظهرت حركة سُميت بحركة /يوم الثماني ساعات/ أو حركة /أسبوع الأربعين ساعة/ ويُعرف أيضاً بحركة “اليوم القصير”، فأصبحت “الثماني ساعات” مطلب عمالي أممي، وفي مختلف مدن العالم وكان القرار قد صُدِر من قبل الجناح اليساري الماركسي في مؤتمر الأممية في / باريس/ بمناسبة الذكرى المئوية للثورة الفرنسيّة، دعا العديد من قادة العمال إلى اتخاذ القرار في القيام بمظاهرات عمالية أممية في نفس اليوم والتأكيد على نفس المطالب كقانون الثماني ساعات، وفي /تشرين الأول عام/1881/ م. توصل “اتحاد العمال الأمريكي” إلى اتفاق بالعمل على تحقيق هذا المطلب من الحكومة في موعدٍ أقصاه /الأول من أيار/1886 م، ولكن دون تجاوب يُذكر، فتعم الإضرابات في مصانع “شيكاغو” بأمريكا لتصل صداها إلى كل الولايات الأمريكية وظلت المطالب دون استجابة أو رد، ولكن في اليوم الثالث للإضراب حاصرت الشرطة عمال مصنع في شيكاغو واعتقلت الكثير منهم، وجاء الرد من العمال بالدعوة إلى إضراب وتظاهرة جديدة في حديقة “هايد بارك” بلندن في/نوفمبر/ 1887/م. فاعتقل وأُعدم أربعة من قادة الإضراب في ميدانٍ عام، وحدثت اشتباكات مع الشرطة فقُتِل اثنين من المضربين، في المملكة المتحدة تكونت موجة جديدة من النقابات إثر الإضراب الضخم لعمال الموانئ في /1889/م. رغم ذلك استمر البرلمان برفض الطلب، كما تمت الدعوة في المؤتمر التحضيري لما أصبح فيما بعد “الأممية الاشتراكية الثانية” في /1889/م. لمظاهرات متزامنة في المدن الأوروبية يوم الأول من أيار/1890/م، وبما أن “اتحاد العمل الأمريكي” قد قرر مُسبقاً أن يُنظم مظاهرات مشابهة، فتم اختيار اليوم نفسه للتظاهرة في أوروبا لمرة واحدة، فقد حقق الاشتراكيون والقيادات العمالية، بتنظيم مظاهرات كبرى في الأول من أيار 1890 بلندن، شارك فيها أكثر من /300/ ألف عامل في حديقة “هايد بارك”، وكانت الذكرى الأولى ليوم العمال العالمي، سارعت البرجوازية إلى التصدي لخطر الإضرابات واللجوء إلى سياسة الاستيعاب، حيث بدأت الحكومات واحدةٌ تلوَ الأخرى باعتبار 1 أيار عيداً ويوم عطلة وسيّرت مُسيّرات واحتفالات بذلك، وفي ألمانيا وسويسرا وفرنسا حصل العمال على مكسباً هاماً لهذا اليوم على حق التظاهرات، لكن بدون زرع الأحقاد وتخريب الممتلكات، حيث انتصرت الحركة الاشتراكية (الاتجاه اليساري) في الخروج في الأول من أيار وشكلت إضراباً واسع النطاق، وانتشرت بعد ذلك المظاهرات في كافة أنحاء أوروبا، وأصبحت تقليداً سنوياً للحركة العمالية العالمية.
يُذكر أن الاتحاد السوفييتي كان أول حكومة تحتفل بعيد العمال، وتلاه حكومة “أدولف هتلر” بألمانيا، تتكرر الإضرابات والتظاهرات من كل عام حتى تحققت بعض مطالباتهم في معظم دول العالم. ونتيجة استمرار الظلم والاستغلال لكدح العمال والكادحين في كل مكان يقوم العمال بإنشاء نقاباتهم واتحاداتهم والقيام بالإضرابات والتظاهرات في الأول من أيار من كل عام حتى ينالوا معاملة حسنة، ويحصلوا على حقوقهم العادلة في تقليل ساعات العمل، وإيفائهم أجورهم التي يستحقونها والضمان الصحي والتقاعدي.
وأخيراً:
نبارك عيد العمال العالمي لكل الأحرار والمناضلين في سبيل تحقيق الهدف الأساسي للإنسان وهو تحقيق مجتمع ديمقراطي وتوزيع عادل للثروة وصون الحقوق للجميع.