أحمد ديبو_
هذا العالم المعقّد والخصب، القائم على الاختلاط والنفاذيّة والتبادل، والذي تمخّض عن أعراق، وأقوام، وبلدان، لا مثيل لها في التنوّع المدهش.
هذا العالم تعرّض ويتعرّض اليوم إلى التنكيل المتدرّج من لدن المعتقد القوميّ، والعرقي، والديني. وأيضاً تعرّض للتدمير رويداً رويداً بفعل أوهام مشينة، ومساعٍ ملتوية للاستيعاب القسري، وإجراءات تمييزية عنصرية مهينة، وقرارات تقول بنقاوة الدم، وملاحقات لا حصر لها، ورعب وتفتيش.
ففي القرن السابع عشر، وفي عهد الملك الإسباني فيليه الثاني، كانوا يتكلمون عن “الحل النهائي” للمشكلة الإسلاميّة، أمّا مشكلة اليهود الذين رفضوا التنصّر، فكانت قد لقيت حلّها الجزئي في مرسوم الطرد الكاثوليكي الصادر في التاريخ المشؤوم “تاريخ اكتشاف أمريكا اللاتينية” تمهيداً لغزوها، وقد تزامن معه طرد اليهود، ثم طرد المسلمين من إسبانيا.
ومن قبل، كان الحوار دائراً في المدارات العليا للسلطة، إن كان يجب ترحيل المسلمين، بعد إقصائهم، إلى: تيرانوفا” أو “باتاغونيا”. هذا التاريخ غير المحتفى به، شكّل المحطة الختامية لسياق المجانسة القسرية للبلاد، الذي صحّر الحياة الفكرية، وباسم التوحيد الأيديولوجي – الديني ونقاوة الدم، منح إسبانيا “العطل” التاريخية الطويلة، التي أبعدتها بما يتعذّر درؤه عن سيرورة الحداثة، التي دشّنها عصر الإصلاح، والأنوار، والثورة الصناعية، في بلدان الغرب الأخرى، التي كانت أوفر حظاً.
لنتوقف الآن عند الغرب الحالي، “أوروبا وأمريكا”: هذا المشروع للتعايش الإخائي، الذي يضم أكثر من نصف مليار من المواطنين من مختلف الثقافات، والألسن، والأعراق، الذي لقي صياغته على أثر قرون من المجابهة، والحروب الدامية، والإبادات باسم عدد من المبادئ: “الحريّة والتسامح والتقدّم”، محترمة هذا المشروع النبيل والسخي في غاياته وأفكاره، المستند إلى الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والمبادئ، التي ألهمت الميثاق التأسيسي لمنظمة الأمم المتحدة، ألا نراه اليوم يواجه خطر التشوّه وتحويل أوروبا وأمريكا لا إلى فنار التقدّم الإنساني، وإنّما إلى مجرد نادٍ للبلدان الثرية، محتفظ بحق قبول الداخلين إليه؟.
إن التغيرات الجذرية بعد انهيار جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفياتي والتحاق أوروبا الشرقية بالناتو، أدت إلى هيمنة القطب الواحد، كان من نتائجه الأوّلية حرب الخليج، واحتلال أفغانستان، وحرب البلقان، التي أدت الى تفكيك يوغسلافيا، ثم ما جرى مع دول الربيع العربي من تدمير وتهشيم، والآن الحرب الدائرة بين أوكرانيا، وروسيا المرشحة، كي تكون حرباً فاصلة بين الشرق والغرب الإمبريالي، لذلك فالأبواب كلّها مفتوحة على الهاوية الكبرى، التي قد ينزلق إليها الجميع دون تردّد.
هذا كلّه فرض تحولات وتغييرات عميقة على المحيط، الذي كان “البيت الأوروبي المشترك” يقف وسطه، وشكّل، في مواجهة الواقع الجديد المحيط به، دافعاً لسياسة قومية جديدة: النزاعات الإثنية، والدينية، والصراعات، والأحقاد العتيقة.
وهاهما القومية والدين يعاودان الانبثاق في أفقنا لأنهما القيمتان والملاذان، وإن كان أحد لا ينكر دورهما العلاجي في عالم كعالمنا، قائم على التنافس الذي لا مراعاة فيه، والذي لا يعرف سوى القوة والمال.
فإن مما لا يخفى على أحد أن الرجوع إليهما، أي الدين، والشعور القومي، يُفصح عن سلبيته في أن يختزل إلى النظر للوراء، وتغذية روحانية تطابقية متمحورة على ما هو خاصّ، أو خصوصيّ.
إن العُرى، التي ربما كانت هشّة، ولكنّها فعليّة، بين الأمم والإثنيات المتجاورة، تتعرض اليوم إلى فصل حاسم. إن الزلزال السياسي، والاقتصادي، الذي يشهده العالم العربي، خصوصاً في سوريا، لا يهدم الأساطير والأكاذيب فحسب، بل إنّه يبعث مخاوف، واستيهامات جوفيّة، وصوراً سلفية للحقد، والعنف.
كذلك فإن ما يتعرض له اليوم الكثير من المهاجرين قسراً عن ديارهم في بعض الدول الغربية، الذي تحرك أواره بعض وسائل الإعلام الباحثة عن المستهلكين، (مثلاً، ما يتعرّض له السوريون في تركيا بين فينةٍ وأخرى) قد تحوّل إلى مشكلة أولى في عدد من هذه البلدان، وصار يتحكّم في استراتيجياتها الانتخابية، وهذا يصير في مسعىً حثيث للعثور على كبش فداء لأزماتهم، ولمداعبة الدابّة، التي يحملها الكثيرون في دواخلهم “فمن يتابع الأرشيف الضخم من صحف السنوات الأخيرة” حسب الروائي خوان غويتسيلو، يضم قائمة مدهشة من الاعتداءات، والحرائق المُضرمة في المنازل والمساجد، والفظاعات البوليسية، والاغتيالات، وعمليات الضرب، والمداهمات، تعرّضت لها الجاليات المهمّشة اجتماعياً أولاً والمدعومة من بُعد، من قبل المتعصبين القوميين، والدينيين الذين ترعرعوا في أوروبا منذ قرنين.
وعلى الرغم من محاولات هذه الجالية الإسلامية التكيّف في محيطها الأوروبي، إلا أن هشاشة الوضع، والتهديد الدائم اللذين تعيش وسطهما هذه الملايين من المهاجرين من بلدان إسلامية، لا يبدو أنهما يقلقان أكثر من اللزوم رأياً عاماً دائم التعرّض لحملات الإعلام، التي تشحنه عن الخطر الإسلامي.
إن التفوّق التقني، والعلمي، والعسكري الصارخ للغرب، الذي كشفت عنه، بجلاء، مجزرة حرب الخليج الأخيرة، بالقياس إلى عالم إسلامي مقسّم، عاجز، رازح تحت نير موروث قرون من الاستعمار، والخضوع لأنظمة مستبدة، ويتكبّد، (باستثناء، بعض الإمارات والممالك النفطية)، القوانين الجائرة لعلاقات الشمال/ الجنوب، نقول إن هذا التهديد الإسلامي يكاد يقترب من تهديد الأنملة للسبع، ومع هذا، فإنّ مناخ معاداة هؤلاء وملاحقتهم ما فتئ يزداد سوءاً.
إنّ توفّر المجال الأوروبي وحده على دول الحق، وتطوير قيم الإنسان فيه؛ هو وحده الذي يمكن للغرب أن يفتخر به حقاً، وهذا لا يبرر تنامي لأشكال الهمجية الجديدة فيه.
إن الغرب يعيش اليوم في مجتمعات تزدهر فيها العنصرية، جراء ازدهار وتنامي الأحزاب اليمينية فيها رويداً رويداً، ولعل من النتائج المباشرة لذلك، هو تنامي التهميش الاجتماعي للمهاجرين، والحقد عليهم، لتصل الى حدود المعاداة الوحشية للمختلف.
هنا يبلغ الغرب الجوهر المفارق في المشكلة: ففيما يمكن أن يوجد عنف الدولة إزاء المواطنين السائد في الأغلبية الغالبة من أقطار العالم الثالث، يجب توقع هجرة لبلدانهم، وعليه يقع سعي هذه الغرب المسربل بشرع حقوق الإنسان والديمقراطية، أن يسعى لتهيئة مجتمعاته لتقبل فكرة النزوح إليها، وعليه كان ألا يقع في شرك ما عبّر عنه “أندريه مالرو” في عبارته الشهيرة: أنّه خلافاً لمصير المناضل، الذي لزاماً عليه أن يتحول ما يقر به إلى وعي وسلوك، وهذا ما لم يحصل في الغرب حتى هذه اللحظة للأسف.
يجب ألّا ننسى محاولات الحكومة البريطانية تسفير المهاجرين السوريين وغيرهم ممن ينتمون للعالم الثالث الى “غانا” في إفريقيا، يا لها من رحلات مفرطة بشرعة حقوق الإنسان، مع الاعتذار لنيتشه، والأمثلة كثيرة… وكذلك تقاعس الحكومة الفرنسية في حماية الجالية الكردية المتواجدة على أراضيها، فالمجزرة الأخيرة التي حصلت ضد الكرد كانت على مرأى من البوليس الفرنسي؟!!.
إن سؤالي لهو التالي: إلى أين يا ترى نحن ذاهبون، فيما لو بقينا نكيل بمكيالين.





