حميد المنصوري_
تؤكد مؤسسة راند الأمريكية بأن الفترة ما بين 1979 إلى 1997 حملت اثنتي عشرة حالة من التدخل العسكري الأمريكي الكبير حول العالم من بينها سبع في الشرق الأوسط، وقد تواتر التدخّل من عملية إنقاذ الرهائن الأمريكيين في إيران عام 1979، والانتشار في لبنان عام 1982، وغارات “إلدورادو” عام 1986 على ليبيا، ورفع العلم الأمريكي على ناقلات النفط ومرافقتها في الخليج في سنوات 1987-1988، وحرب الخليج عام 1990، وعملية حفظ السلام عام 1992 في الصومال المتصلة والمؤثرة بمنطقة الشرق الأوسط، ثم أتت حرب احتلال العراق وإسقاط نظام البعث العراقي 2003 والحرب على أفغانستان في سياق الحرب على الإرهاب، فالشرق الأوسط الكبير يشمل دول شمال إفريقيا والمشرق (بما في ذلك تركيا وإسرائيل/فلسطين) والخليج العربي، وتمتد التأثيرات إلى مناطق على تخوم هذه الدول مثل القوقاز وآسيا الوسطى، فالمنطقة تحمل تأثيراً كبيراً على الأمن والاستقرار العالميين وخاصةً في تدفق النفط والغاز، إلى جانب ما تعكسهُ المنطقة من اعتبار الولايات المتحدة قوة عالمية حافظة للأمن والطاقة.
سنعرض هنا أهداف واشنطن الرئيسية في الشرق الأوسط، مع مسارات متضاربة حولها وأحياناً تبدو غامضةً.
بقاء إسرائيل وإتمام عملية السلام في الشرق الأوسط: في ظل تفرّد إسرائيل كقوة إقليمية شرق أوسطية ذات قدرات نوعية عسكرية وأمنية وتكنولوجية، إلى جانب توقف عملية المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، يأتي مشروع منظومة أمنية شرق أوسطية بمشاركة إسرائيل مع بعض الدول العربية الخليجية وغيرها من الدول العربية مثل الأردن ومصر وربما أيضاً تنضم تركيا وحكومة هولير “أربيل” لهذه المنظومة، ويفترض أن تكون هذه المنظومة الأمنية بديلاً ناجحاً ومعوضاً للتواجد الأمريكية في المنطقة مع بقاء أهمية التنسيق والتدريب العسكري والتزود بالأسلحة الأمريكية الأكثر قوةً وتطوراً، ولكن السياسة الأمريكية تواجه عراقيل حول هذه المنظومة منها وحدة الخطر، فليس واضحاً بأن معظم الدول والحكومات المفترض دخولها المنظومة متفقة حول الخطر الإيراني ذو التمدد الشيعي العابر للدول. ومن العراقيل الصعبة عدم وجود هوية وأيدولوجية مشتركة بين أعضاء المنظومة المفترض قيامها مثل الهوية الليبرالية لحلف الناتو، ويفترض من واشنطن أن تضع هذه المنظومة في إطار حفظ الاستقرار والأمن وتحول بعض الدول إلى الأنظمة الفدرالية غير المركزية، إضافة إلى ذلك، على واشنطن الضغط على إسرائيل في مسألة إحياء المفاوضات نحو قيام دولة فلسطينية، الأمر الذي سيجعل السعودية ذات القدرات الاقتصادية الكبيرة والبعد الجغرافي الاستراتيجي تنضم إلى المنظومة الأمنية بمشاركة إسرائيل، حيث مازالت الرياض تشترط قيام دولة فلسطينية لإقامة علاقة رسمية مع إسرائيل، وذلك يرجع إلى سبب هوية ودور السعودية في العالم الإسلامي بكونها تحتضن الأماكن المقدسة الإسلامية.
الحيلولة دون بروز مهيمن إقليمي عدواني: وهذا الهدف يبدو الأكثر تعقيداً، فإذا كانت واشنطن ترفض بروز مهيمن إقليمي يتعارض مع مصالحها، فإن دخول الصين كقوة دولية كبيرة ومنافسة للولايات المتحدة الأمريكية عبر تطور علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي وخاصةً مع السعودية والإمارات، يجعل واشنطن في سياسات أكثر تضارباً مع وضع استمرار نجاح الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية، ومن الأهمية بمكان الإشارة بأن الرياض أعلنت مؤخراً انضمامها إلى منظمة شنغهاي بصفة شريك للحوار، والتي تقودها الصين. ونكتشف بكل وضوح بأن واشنطن مازالت في سياسات متضاربة في وضع سوريا حيث هناك قانون قيصر الذي يستهدف كل من يتعامل ويدعم نظام بشار، وأيضاً هناك قانون الكبتاكون، الذي ستخرج خطة لتطبيقهِ، وهذا القانون قد حول بشار الأسد إلى زعيم عصابة مخدرات مطلوب دولياً، فتجارة المخدرات تعتبر تهديداً عابراً للحدود، ويتضمن القانون في نصوصهِ قانون قيصر، وربما هذا القانون سيقود إلى حالة مشابهة لعمليات التفتيش عن السلاح النووي في العراق إبان فترة البعث الصدامي، بما في ذلك تطبيق قانون 2254 الصادر من مجلس الأمن في وضع سوريا. رغم ذلك، تترك واشنطن حيزاً لتحركات عربية لتأهيل واستمرار بقاء نظام بشار؛ لأنه يمثل من منظور عربي خياراً لوحدة سوريا والحفاظ على السلطة بعيداً عن الأحزاب الإسلامية السياسية، وهناك تساؤل إلى أي مدى سيحظى مجلس سوريا الديمقراطية بدعم مستمر وقوي من قبل الولايات المتحدة ودول أوروبية، فهو يمثل مشروع سياسي ذو أهداف ديمقراطية علمانية يجمع هويات سوريا المتعددة، ناهيك عن أن استمرار نظام بشار الأسد يعكس استمرار قوة ملالي إيران وقوة الصين وروسيا في الشرق الأوسط. ويمكننا الاستنتاج بأن واشنطن هي من تركت هذا الحيز لتأهيل نظام بشار عربياً، وذلك بالنظر إلى أن توتر العلاقات بين واشنطن وتل أبيب الأخيرة حول حكومة نتنياهو اليمينية ومحاولة تقويض الديمقراطية الإسرائيلية عبر الإصلاحات المقترحة في السلطة القضائية مع سياسات وتصريحات متطرفة من حكومة نتنياهو مثل إبادة بلدة حوارة الفلسطينية، قاد واشنطن مع وجود تفاهم وتلاقي قوي مع أبو ظبي إلى تقييد صفقات بين الإمارات وإسرائيل.
منع انتشار أسلحة الدمار الشامل: الأمر هنا يأخذ سلسة من الشد والتراخي في الملف النووي الإيراني، فمازالت الإدارة الأمريكية مصممةً على تحقيق اتفاق نووي مع إيران، رغم مشاهدتها طهران وهي تزود روسيا بالأسلحة في حربها مع أوكرانيا، وتعلم واشنطن حق المعرفة حول مدى ضعف النظام الإيراني الثيوقراطي الديني أمام الشعب الإيراني بمختلف هوياتهِ، مع ذلك، تتكاسل حول مشروع دعم الشعب الإيراني لتغيير النظام وتكتفي بالتعامل معهُ.
تشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي بواسطة الاستقرار الداخلي، ويكفي هنا ذكر فشل واشنطن في أفغانستان وانسحابها وعودة حكومة طالبان، مع فشلها في خلق الديمقراطية في الشرق الأوسط عبر بوابة احتلال العراق والندم على إسقاط نظام صدام، ناهيك على فشل الرؤية الأمريكية لتداعيات الربيع العربي. وبما أن الولايات المتحدة مدفوعةً بالليبرالية والديمقراطية في سياق سياساتها الخارجية والتي تسببت في حرب أوكرانيا، حيث تحاول روسيا كبح جماح الليبرالية والرأسمالية الغربية وتوسع حلف الناتو على حدودها، وفي هذا المسار، نجدها تقف واشنطن مقيدةً حول حقيقة تصدع المنظومة الغربية الليبرالية في أوروبا، حيث يتزايد حضور المحافظين والقوميين في السلطة والحراك الاجتماعي والسياسي مع الرفض الشعبي الأوروبي في تقويض القومية لحساب الليبرالية الغربية.
السيطرة على الإرهاب: وهذا الهدف فشلت فيه الولايات المتحدة، فالإرهاب والجريمة والفقر واللاجئين في انتشار كبير في ظل تزايد عدد الدول الفاشلة في الشرق الأوسط.
بعد هذا العرض حول الأهداف الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط والسياسات المتضاربة حول تحقيقها، على واشنطن تقويم سياساتها في الشرق الأوسط من خلال ترك حيز لدول كبرى مثل الصين وروسيا لمشاركتها في تحقيق الأمن والاستقرار مع بقاء الريادة عنوانها الولايات المتحدة، ولابد من بقاء الهويات القومية في الشرق الأوسط من خلال دعم أنظمة الحكم الفدرالية في بعض الدول بالشرق الأوسط، وربما حان الوقت لقبول منظور العالم المتعدد في سياقات ثقافية وأيدولوجية وقومية مختلفة ومتعددة.





