نوري سعيد
بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي أوباما عن موت اتفاقية سايكس ـ بيكو، وعدم صلاحيتها للقرن الحادي والعشرين، أصبح الحديث يدور حول مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يعني وضع زمام الأمور بيد أربع دول، وجعلها المرجعية التي يعتمد عليها الغرب بقيادة أمريكا، بدلاً من التواصل مع كل دولة من دول المنطقة على حدة، وعليه تتزعم تركيا السّنة وإيران الشيعة، والسعودية جزيرة العرب، ومصر شمال إفريقيا، ولكن نتيجة المواقف العدائية لأمريكا والغرب قبل البدء بالمشروع من لدن بعض تلك الدول، على سبيل المثال إيران الخميني، بدأت تصف أمريكا بأوصاف مكروهة في مؤداها الديني، وتركيا أصبحت تتقرّب من روسيا، مع أنها عضوة في الناتو والقذافي كان لا يأبه بالوجود الأمريكي ووليد المعلم قال: “إننا سوف نشطب على أوروبا ونتجه شرقاً”، ولهذا طرحت أمريكا مشروع الشرق الأوسط “الجديد”، بدلاً من “الكبير” أي تقسيم ما قسمته سايكس ـ بيكو، من خلال إنصاف المجموعات الإثنية والطائفية والدينية، والمشروع يشمل جغرافيا واسعة تمتد من إيران حتى باكستان، بالإضافة إلى تركيا وست دول عربية أي ما يُسمى بدول قوس الأزمات، لأن أنظمة تلك الدول حرمت الشعوب من حقوقها المشروعة، وطبعاً لم يكن هذا لأجل “سواد عيون” تلك الشعوب، وإن كان المشروع يتقاطع مع مصالحها ولكن مصلحة الغرب وأمريكا اقتضت ذلك بمعنى (كلمة حق يراد بها الباطل) أي إضعاف تلك الدول والتخلص من أنظمتها مستغلةً في ذلك قيام ثورات ربيع الشعوب، والمشروع يتبناه الكونغرس الأمريكي ويدعمه الغرب، ويصب في مصلحة إسرائيل أيضاً، لأنه يُجزئ المجزأ، وسوف يُنفذ شاء من شاء وأبى من أبى، إلا إذا انفتحت الأنظمة على الداخل ومنحت الشعوب والمكونات حقوقها المشروعة، في إطار وحدة وسيادة دولها بدلاً من أن يُفرض ويطبق عنوةً، لأن كافة الشعوب ساهمت إيجابياً في الأوطان التي تتواجد فيها، وهنا نقول: إن انهيار المنظومة الاشتراكية نتيجة الأخطاء التي حصلت والمؤامرات الخارجية سابقاً، وسقوط بوتين في المستنقع الأوكراني حالياً، ولا مبالاة الصين لما يحدث في العالم، والتركيز فقط على الجوانب التجارية والبيئية ساهم كل ذلك في عودة هيمنة الغرب بقيادة أمريكا على العالم من جديد، وكل من يعوّل على قيام عالم متعدد الأقطاب فهو وهم لأن ذلك مخالف لقوانين الطبيعة القائمة على الثنائية (قطب شمالي وجنوبي، خير وشر سالب وموجب، نهار ليل إلخ..) وأيضاً كما يقال (كثرة الطباخين تحرق الطبخة) وهنا نعيد ما قاله كيسنجر للصحفي المصري محمد حسنين هيكل، في لقائه معه إبّان حرب تشرين التحريرية 1973 (الاتحاد السوفيتي لا يستطيع إقامة السلام في النزاعات بين الدول، فقط يستطيع تقديم السلاح) وهذا ما يحصل حالياً، إذ بالرغم من النفوذ الروسي الكبير في سوريا فإنها عاجزة عن حل المعضلة السوريّة، ليس هذا فقط، بل بوتين يقتنع بأن السلاح الروسي أثبت جدارته في كل من سوريا وأوكرانيا، وعليه فإن الفوضى الخلّاقة هي الوسيلة لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، وقد يستغرق وقتاً، لأنه مرتبط بما يحصل في أوكرانيا، فالغرب وأمريكا يحاولان إضعاف روسيا، وإعادة ترتيب أوضاع دول المنطقة، وبالأخص دول ما تُسمى بقوى الأزمات، حتى يتفرغان للصين، التي أصبحت منافساً لهما اقتصادياً على الصعيد الدولي، ولكن على الصين أن تأخذ بالمثل القائل (على قد بساطك مد رجليك) وأن تستفيد من عِبر التاريخ القريب، وإلا سوف يحصل لها ما حصل لنمور آسيا، وما حصل لليابان في الحرب العالمية الثانية، لأن القوة لا تُقاس بكثرة عدد السكان.
ختاماً: أنظمة الحكم في المنطقة تتحمّل القسط الأكبر في نجاح المشروع؛ لأن همها لا يزال التمسك بالسلطة، مع أن المشروع خطير ويتطلب رص الصفوف، وتبنّي النهج اللامركزي التعددي والديمقراطي، وبغير ذلك سيكون الوضع كارثياً لا سمح الله.





